فوق مقام « المريد » وإنما أشاروا باسم « المراد » إلى الضنائن الذين ورد فيهم الخبر » .
قلت : وجه استشهاده بالآية : أن اللّه سبحانه ألقى إلى رسوله كتابه ، وخصه بكرامته . وأهّله لرسالته ونبوته . من غير أن يكون ذلك منه على رجاء ، أو ناله بكسب ، أو توسل إليه بعمل ، بل هو أمر أريد به ، فهو المراد حقيقة .
وقوله : « إن أكثرهم جعلوا المريد والمراد اثنين » فهو تعرض إلى أن منهم من اكتفى عن ذكر مقام « المراد » بمنزلة « الإرادة » لأن صاحبها مريد مراد .
وأما « إشارتهم إلى الضنائن » .
فالمراد به : حديث يروى مرفوعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه ضنائن من خلقه . يحييهم في عافية .
ويميتهم في عافية » .
و « الضنائن » الخصائص . يقال : هو ضنّتي من بين الناس - بكسر الضاد - أي الذي أختص به . وأضن بجودته ، أي أبخل بها أن أضيعها .
وقد مثل للمريد والمراد بقوم بعث إليهم سلطانهم يستدعيهم إلى حضرته من بلاد نائية ، وأرسل إليهم بالأدلة والأموال ، والمراكب وأنواع الزاد . وأمرهم بأن يتجشموا إليه قطع السّبل والمفاوز . وأن يجتهدوا في المسير حتى يلحقوا به . وبعث خيلا له ومماليك إلى طائفة منهم ، فقال : احملوهم على هذه الخيل التي تسبق الركاب . واخدموهم في طريقهم . ولا تدعوهم يعانون مؤنة الشد والربط ، بل إذا نزلوا فأريحوهم . ثم احملوهم حتى تقدموهم عليّ .
فلم يجد هؤلاء من مجاهدة السير ، ومكابدته ، ووعثاء السفر ما وجده غيرهم .
ومن الناس من يقول « المريد » ينتقل من منزلة « الإرادة » إلى أن يصير « مرادا » فكان محبا .
فصار محبوبا . فكل مريد صادق نهاية أمره : أن يكون مرادا . وأكثرهم على هذا .
وصاحب المنازل كأن عنده « المراد » هو المجذوب ، و « المريد » هو السالك على طريق الجادة .
درجات المراد
قال : « وللمراد ثلاث درجات . الأولى : أن يعصم العبد . وهو مستشرف للجفاء ، اضطرارا بتنغيص الشهوات ، وتعويق الملاذ ، وسد مسالك المعاطب عليه إكراها » .
يعني : أن العبد إذا استشرفت نفسه للجفاء بينه وبين سيده - بموافقة شهواته - عصمه سيده اضطرارا ، بأن ينغص عليه الشهوات . فلا تصفو له البتة . بل لا ينال ما ينال منها إلا مشوبا بأنواع التنغيص ، الذي ربما أربى على لذتها واستهلكها ، بحيث تكون اللذة في جنب التنغيص كالخلسة والغفوة . وكذلك يعوق الملاذ عليه بأن يحول بينه وبينها ، حتى لا يركن إليها ، ولا يطمئن إليها ويساكنها . فيحول بينه وبين أسبابها . فإن هيّئت له قيّض له مدافع يحول بينه وبين استيفائها .
فيقول : من أين دهيت ؟ وإنما هي عين العناية والحمية والصيانة .
وكذلك يسد عنه طرق المعاصي . فإنها طرق المعاطب . وإن كان كارها ، عناية به ، وصيانة له .