والثانية : اشتمالها على ذكر اللّه وتضمنها له . ولما تضمنته من ذكر اللّه أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر « 1 » .
8 - وأما ختم الأعمال الصالحة به : فكما ختم به عمل الصيام بقوله :
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[ البقرة : 185 ] .
وختم به الحج في قوله :
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً
[ البقرة : 200 ] .
وختم به الصلاة كقوله :
فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ
[ النّساء : 103 ] .
وختم به الجمعة كقوله :
فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
( 10 ) [ الجمعة : 10 ] . ولهذا كان خاتمة الحياة الدنيا . وإذا كان آخر كلام العبد : أدخله اللّه الجنة .
9 - وأما اختصاص الذاكرين بالانتفاع بآياته . وهم أولو الألباب والعقول . فكقوله تعالى :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 190 ) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ
[ آل عمران : 190 - 191 ] .
10 - وأما مصاحبته لجميع الأعمال ، واقترانه بها ، وأنه روحها : فإنه سبحانه قرنه بالصلاة . كقوله :
وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
[ طه : 14 ] وقرنه بالصيام وبالحج ومناسكه . بل هو روح الحج ، ولبّه ومقصوده . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار : لإقامة ذكر اللّه » .
وقرنه بالجهاد . وأمر بذكره عند ملاقاة الأقران ، ومكافحة الأعداء . فقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
( 45 ) [ الأنفال : 45 ] وفي أثر إلهي يقول اللّه تعالى « إن عبدي - كلّ عبدي - الذي يذكرني وهو ملاق قرنه » .
سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يستشهد به .
وسمعته يقول : المحبون يفتخرون بذكر من يحبونه في هذه الحال . كما قال عنترة :
ولقد ذكرتك والرماح كأنها * أشطان بئر في لبان الأدهم
وقال الآخر :
ذكرتك والخطّيّ يخطر بيننا * وقد نهلت منا المثقّفة السّمر
وقال آخر :
ولقد ذكرتك والرماح شواجر * نحوي . وبيض الهند تقطر من دمي
وهذا كثير في أشعارهم . وهو مما يدل على قوة المحبة . فإن ذكر المحب محبوبه في تلك الحال - التي لا يهم المرء فيها غير نفسه - يدل على أنه عنده بمنزلة نفسه ، أو أعز منها . وهذا
هامش
( 1 ) ولعل في الآية معنى آخر : أن الصلاة هي أكبر الذكر . فقد قال اللّه :وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي[ طه : 14 ] وهي أكبر وأقوى وأشدناه عن الفحشاء والمنكر .