علم اليقين . ولأن متعلقها رؤية وجه الرب عزّ وجلّ في دار النعيم . ولا شيء أعلى وأجل من هذا التعلق .
وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - بين الطائفتين حكما حسنا . فقال : المدرك بحاسة « السمع » أعم وأشمل . والمدرك بحاسة البصر : أتم وأكمل . فللسمع العموم والشمول ، والإحاطة بالموجود والمعدوم ، والحاضر والغائب ، والحسي والمعنوي ، وللبصر : التمام والكمال .
وإذا عرف هذا . فهذه الحواس الخمس لها أشباح وأرواح ، وأروحها حظ القلب ونصيبه منها .
فمن الناس : من ليس لقلبه منها نصيب إلا كنصيب الحيوانات البهيمية منها . فهو بمنزلتها .
وبينه وبينها أول درجة الإنسانية . ولهذا شبه اللّه سبحانه أولئك بالأنعام . بل جعلهم أضل . فقال تعالى :
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
( 44 ) [ الفرقان : 44 ] ولهذا نفى اللّه عن الكفار السمع والبصر والعقول . إما لعدم انتفاعهم بها . فنزلت منزلة المعدوم . وإما لأن النفي توجه إلى أسماع قلوبهم وأبصارهم ، وإدراكها . ولهذا يظهر لهم ذلك عند انكشاف حقائق الأمور . كقول أصحاب السعير
لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ
[ الملك : 10 ] ومنه في أحد التأويلين قوله تعالى :
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
[ الأعراف : 198 ] فإنهم كانوا ينظرون إلى صورة النبي صلى اللّه عليه وسلم بالحواس الظاهرة ، ولا يبصرون صورة نبوته ، ومعناها بالحاسة الباطنة ، التي هي بصر القلب .
والقول الثاني : أن الضمير عائد على الأصنام . ثم فيه قولان :
أحدهما : أنه على التشبيه ، أي كأنهم ينظرون إليك . ولا أبصار لهم يرونك بها .
والثاني : المراد به المقابلة . تقول العرب : داري تنظر دارك . أي تقابلها .
وكذلك السمع ثابت لهم . وبه قامت الحجة عليهم . ومنتف عنهم . وهو سمع القلب .
فإنهم كانوا يسمعون القرآن من حيث السمع الحسي المشترك ، كالغنم التي لا تسمع إلا نعيق الراعي بها دعاء ونداء . ولم يسمعوه بالروح الحقيقي ، الذي هو روح حاسة السمع ، التي هي حظ القلب . فلو سمعوه من هذه الجهة : لحصلت لهم الحياة الطيبة ، التي منشؤها من السماع المتصل أثره بالقلب . ولزال عنهم الصمم والبكم . ولأنقذوا نفوسهم من السعير بمفارقة من عدم السمع والعقل .
فحصول السمع الحقيقي : مبدأ لظهور آثار الحياة الطيبة ، التي هي أكمل أنواع الحياة في هذا العالم . فإن بها يحصل غذاء القلب ويعتدل . فتتم قوته وحياته ، وسروره ونعيمه ، وبهجته .
وإذا فقد غذاءه الصالح : احتاج إلى أن يعتاض عنه بغذاء قبيح خبيث . وإذا فسد غذاؤه : خبث ونقص من حياته وقوته وسروره ونعيمه بحسب ما فسد من غذائه ، كالبدن إذا فسد غذاؤه نقص .
فلما كان تعلق السمع الظاهر الحسي بالقلب أشد ، والمسافة بينهما أقرب من المسافة بين البصر وبينه . ولذلك يؤدي آثار ما يتعلق بالسمع الظاهر إلى القلب أسرع مما يؤدي إليه آثار البصر الظاهر ، ولهذا ربما غشي على الإنسان إذا سمع كلاما يسره أو يسوؤه . أو صوتا لذيذا طيبا مطربا مناسبا . ولا يكاد يحصل له ذلك من رؤية الأشياء المستحسنة بالبصر الظاهر .