وتأمل حال ذلك الصحابي « 1 » الذي أخذ تمراته . وقعد يأكلها على حاجة وجوع وفاقة إليها . فلما عاين سوق الشهادة قامت . ألقى قوته من يده ، وقال : « إنها لحياة طويلة ، إن بقيت حتى آكل هذه التمرات » وألقاها من يده ، وقاتل حتى قتل . وكذلك أحوال الصحابة رضي اللّه عنهم . كانت مطابقة لما أشار إليه .
لكن بقيت نكتة عظيمة . وهي موضع السجدة ، وهي أن فناءهم لم يكن في توحيد الربوبية ، وشهود الحقيقة التي يشير إليها أرباب الفناء بل في توحيد الإلهية . ففنوا بحبه تعالى عن حب ما سواه . وبمراده منهم عن مرادهم وحظوظهم . فلم يكونوا عاملين على فناء . ولا إلى استغراق في الشهود . بحيث يفنون به عن مراد محبوبهم منهم ، بل قد فنوا بمراده عن مرادهم . فهم أهل بقاء في فناء ، وفرق في جمع . وكثرة في وحدة . وحقيقة كونية في حقيقة دينية :
هم القوم لا قوم إلا هم * ولولاهم ما اهتدينا السبيلا
فنسبة أحوال من بعدهم الصحيحة الكاملة إلى أحوالهم : كنسبة ما يرشح من الظرف والقربة إلى ما في داخلها .
وأما الطريق المنحرفة الفاسدة : فسبيل غير سبيلهم ، والفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء . واللّه ذو الفضل العظيم .
منزلة الأنس باللّه
ومن منازل
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
منزلة « الأنس باللّه » .
قال صاحب المنازل رحمه اللّه .
« وهو روح القرب » ولهذا صدّر منزلته بقوله تعالى :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
[ البقرة : 186 ] .
فاستحضار القلب هذا البر والإحسان واللطف : يوجب قربه من الرب سبحانه وتعالى .
وقربه منه يوجب له « الأنس » و « الأنس » ثمرة الطاعة والمحبة ، فكل مطيع مستأنس ، وكل عاص مستوحش ، كما قيل :
فإن كنت قد أوحشتك الذنو * ب . فدعها إذا شئت واستأنس
والقرب يوجب الأنس والهيبة والمحبة .
درجات الأنس باللّه
قال صاحب المنازل رحمه اللّه .
« وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : الأنس بالشواهد ، وهو استحلاء الذكر .
والتغذي بالسماع ، والوقوف على الإشارات » .
هذه اللفظة يجرونها في كلامهم - أعني لفظة « الشواهد » - ومرادهم بها : أمران :
هامش
( 1 ) هو عمرو بن الحمام رضي اللّه عنه يوم أحد .