أحدهما : الحقيقة . وهي ما يقوم بقلب العبد ، حتى كأنه يشاهده ويبصره لغلبته عليه . فكل ما يستولي على قلب صاحبه ذكره : فإنه شاهده . فمنهم من يكون شاهده العمل . ومنهم من يكون شاهده الذكر . ومنهم من يكون شاهده المحبة ومنهم من يكون شاهده الخوف .
فالمريد : يأنس بشاهده . ويستوحش لفقده .
والثاني : شاهد الحال . وهو الأثر الذي يقوم به . ويظهر عليه من عمله ، وسلوكه وحاله .
فإن شاهده لا بد أن يظهر عليه .
ومراد صاحب المنازل : الشاهد الأول . الذي يأنس به المريد ، وهو الحامل له على استحلاء الذكر ، طلبا لظفره بحصول المذكور . فهو يستأنس بالذكر طلبا لاستئناسه بالمذكور ، ويتغذى بالسماع كما يتغذى الجسم بالطعام والشراب .
فإن كان محبا صادقا ، طالبا للّه ، عاملا على مرضاته : كان غذاؤه بالسماع القرآني ، الذي كان غذاء سادات العارفين من هذه الأمة ، وأبرها قلوبا ، وأصحها أحوالا . وهم الصحابة رضي اللّه عنهم .
وإن كان منحرفا فاسد الحال ، ملبوسا عليه ، مغرورا مخدوعا : كان غذاؤه بالسماع الشيطاني . الذي هو قرآن الشيطان ، المشتمل على محاب النفوس ، ولذاتها وحظوظها .
وأصحابه : أبعد الخلق من اللّه . وأغلظهم عنه حجابا وإن كثرت إشاراتهم إليه .
وهذا السماع القرآني سماع أهل المعرفة باللّه ، والاستقامة على صراطه المستقيم . ويحصل للأذهان الصافية منه معان وإشارات ، ومعارف وعلوم . تتغذى بها القلوب المشرقة بنور الأنس .
فيجد بها ولها لذة روحانية . يصل نعيمها إلى القلوب والأرواح . وربما فاض حتى وصل إلى الأجسام . فيجد من اللذة ما لم يعهد مثله من اللذات الحسية .
وللتغذي بالسماع سر لطيف . نذكره للطف موضعه .
وهو الذي أوقع كثيرا من السالكين في إيثار سماع الأبيات . لما رأى فيه من غذاء القلب وقوته ونعيمه . فلو جئته بألف آية وألف خبر لما أعطاك شطرا من إصغائه . وكان ذلك عنده أعظم من الظواهر التي يعارض بها الفلاسفة وأرباب الكلام .
اعلم أن اللّه عزّ وجلّ جعل للقلوب نوعين من الغذاء : نوعا من الطعام والشراب الحسي .
وللقلب منه خلاصته وصفوه ، ولكل عضو منه بحسب استعداده وقبوله « 1 » .
هامش
( 1 ) قد عبر اللّه سبحانه عن حقيقة الإنسان ومعناه في بعض الآيات بالقلب . وفي بعضها باللب ، وفي بعضها بالفؤاد . والواقع : أن « القلب » هو « اللب » وهو الروح التي نفخها اللّه فيه من روحه . وهي الحقيقة الإنسانية العاقلة المميزة المفكرة التي ميز اللّه بها الإنسان وأكرمه . وهي التي تعقل عن ربها وتدرك وتفقه ، وتفكر وتتأمل في آياته وسننه . وهذا اللب والقلب : يتغذى بالتفكر والتأمل في سنن اللّه وحكمته ورحمته وفضله وبره ، وتربيته لعبده في الطعام والشراب والهواء ، والتقلب في أسباب الحياة ليلا ونهارا ، يقظة ومناما ، اجتماعا وانفرادا . وبهذا الغذاء يحتفظ اللب بالفطرة سليمة قوية نشيطة الحياة نيرة . وأما الجسم - الذي هو القشر والصورة البهيمية التي خلقها اللّه من التراب ، بأعضائها الظاهرة والباطنة - : فهو الذي يتغذى بالطعام والشراب ، بما تقوم به المعدة والأمعاء من تحللات وتفصيلات تبعث بها إلى الجوارح والأعضاء برحمة -