وقال رجاء بن حيوة : قوّمت ثياب عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه - وهو يخطب - باثني عشر درهما . وكانت قباء وعمامة وقميصا وسراويل ورداء وخفين وقلنسوة .
ورأى محمد بن واسع ابنا له يمشي مشية منكرة . فقال : تدري بكم شريت أمك ؟ بثلاثمائة درهم ، وأبوك - لا كثّر اللّه في المسلمين مثله - أنا . وأنت تمشي هذه المشية ؟ .
وقال حمدون القصار : التواضع أن لا ترى لأحد إلى نفسك حاجة ، لا في الدين ولا في الدنيا .
وقال إبراهيم بن أدهم : ما سررت في إسلامي إلا ثلاث مرات : كنت في سفينة ، وفيها رجل مضحاك . كان يقول : كنا في بلاد الترك فأخذ العلج هكذا - وكان يأخذ بشعر رأسي ويهزني - لأنه لم يكن في تلك السفينة أحد أحقر مني . والأخرى : كنت عليلا في مسجد . فدخل المؤذن ، وقال : اخرج . فلم أطق ، فأخذ برجلي وجرني إلى خارج . والأخرى : كنت بالشام وعليّ فرو . فنظرت فيه فلم أميز بين شعره وبين القمل لكثرته . فسرني ذلك « 1 » .
وفي رواية : كنت يوما جالسا . فجاء إنسان فبال عليّ .
وقال بعضهم : رأيت في الطواف رجلا بين يديه شاكرية يمنعون الناس لأجله عن الطواف ، ثم رأيته بعد ذلك بمدة على جسر بغداد يسأل شيئا ، فتعجبت منه . فقال لي : إني تكبرت في موضع يتواضع الناس فيه ، فابتلاني اللّه بالذل في موضع يترفع الناس فيه .
وبلغ عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه : أن ابنا له اشترى خاتما بألف درهم . فكتب إليه عمر : بلغني أنك اشتريت فصّا بألف درهم . فإذا أتاك كتابي فبع الخاتم . وأشبع به ألف بطن .
واتخذ خاتما بدرهمين . واجعل فصّه حديدا صينيا . واكتب عليه : رحم اللّه امرأ عرف قدر نفسه .
واللّه أعلم .
أول ذنب عصى اللّه به أبو الثقلين : الكبر والحرص . فكان الكبر ذنب إبليس اللعين . فآل أمره إلى ما آل إليه . وذنب آدم على نبينا وعليه السلام : كان من الحرص والشهوة فكان عاقبته التوبة والهداية ، وذنب إبليس حمله على الاحتجاج بالقدر والإصرار . وذنب آدم أوجب له إضافته إلى نفسه ، والاعتراف به والاستغفار .
فأهل الكبر والإصرار ، والاحتجاج بالأقدار : مع شيخهم وقائدهم إلى النار إبليس . وأهل الشهوة : المستغفرون التائبون المعترفون بالذنوب ، الذين لا يحتجون عليها بالقدر : مع أبيهم آدم في الجنة .
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - يقول : التكبر شرّ من الشرك فإن المتكبر يتكبر عن عبادة اللّه تعالى ، والمشرك يعبد اللّه وغيره « 2 » .
قلت : ولذلك جعل اللّه النار دار المتكبرين . كما قال تعالى في سورة الزمر « 3 » وفي سورة
هامش
( 1 ) كذلك يدين صوفية الهنود البراهمة بقذارتهم . وقد بعث اللّه رسوله الطيب المطيب صلى اللّه عليه وسلم ينقذ الإنسانية من هذه الأقذار .
( 2 ) والتكبر يولد الشرك . كما حقق ذلك ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في مواضع .
( 3 ) انظر سورة الزمر الآية 72 .