وكان صلى اللّه عليه وسلم يعود المريض . ويشهد الجنازة . ويركب الحمار ، ويجيب دعوة العبد .
وكان يوم قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف من ليف .
سئل الفضيل بن عياض عن التواضع ؟ فقال : يخضع للحق ، وينقاد له . ويقبله ممن قاله .
وقيل : التواضع أن لا ترى لنفسك قيمة . فمن رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب .
وهذا مذهب الفضيل وغيره .
وقال الجنيد بن محمد : هو خفض الجناح ، ولين الجانب .
وقال أبو يزيد البسطامي : هو أن لا يرى لنفسه مقاما ولا حالا . ولا يرى في الخلق شرا منه .
وقال ابن عطاء : هو قبول الحق ممن كان . والعزّ في التواضع . فمن طلبه في الكبر فهو كتطلب الماء من النار .
وقال إبراهيم بن شيبان : الشرف في التواضع . والعز في التقوى . والحرية في القناعة .
ويذكر عن سفيان الثوري رحمه اللّه ، أنه قال : أعز الخلق خمسة أنفس : عالم زاهد وفقيه صوفي ، وغني متواضع ، وفقير شاكر ، وشريف سنّي .
وقال عروة بن الزبير رضي اللّه عنهما : رأيت عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه على عاتقه قربة ماء ، فقلت : « يا أمير المؤمنين ؛ لا ينبغي لك هذا . فقال : لما أتاني الوفود سامعين مطيعين .
دخلت نفسي نخوة . فأردت أن أكسرها » .
وولي أبو هريرة رضي اللّه عنه إمارة مرة . فكان يحمل حزمة الحطب على ظهره . ويقول :
طرّقوا للأمير .
وركب زيد بن ثابت مرة . فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه . فقال : مه يا ابن عم رسول اللّه ! فقال : هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا . فقال : أرني يدك . فأخرجها إليه فقبلها . فقال : هكذا أمرنا نفعل بأهل بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
وقسم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بين الصحابة رضي اللّه عنهم حللا ، فبعث إلى معاذ حلّة مثمنة . فباعها . واشترى بثمنها ستة أعبد وأعتقهم . فبلغ ذلك عمر . فبعث إليه بعد ذلك حلة دونها . فعاتبه معاذ ، فقال عمر : لأنك بعت الأولى . فقال معاذ : وما عليك ؟ ادفع لي نصيبي .
وقد حلفت لأضربن بها رأسك فقال عمر رضي اللّه عنه : رأسي بين يديك . وقد يرفق الشاب بالشيخ .
ومر الحسن على صبيان معهم كسر خبز . فاستضافوه . فنزل فأكل معهم ، ثم حملهم إلى منزله . فأطعمهم وكساهم ، وقال : اليد لهم . لأنهم لا يجدون شيئا غير ما أطعموني ، ونحن نجد أكثر منه .
ويذكر أن أبا ذرّ رضي اللّه عنه عيّر بلالا رضي اللّه عنه بسواده ، ثم ندم . فألقى بنفسه .
فحلف : لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدّي بقدمه . فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 532
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٥٣٢