بها ، والثناء عليه بها ، والخضوع له ومحبته ، والعمل بما يرضيه فيها ، لكن لما كان معرفتها ركن الشكر الأعظم ، الذي يستحيل وجود الشكر بدونه : جعل أحدهما اسما للآخر .
قوله : « لأنه السبيل إلى معرفة المنعم » .
يعني أنه إذا عرف النعمة توصل بمعرفتها إلى معرفة المنعم بها .
وهذا من جهة معرفة كونها نعمة ، لا من أي جهة عرفها بها ، ومتى عرف المنعم أحبه ، وجدّ في طلبه ، فإن من عرف اللّه أحبه لا محالة ، ومن عرف الدنيا أبغضها لا محالة .
وعلى هذا : يكون قوله : « الشكر اسم لمعرفة النعمة » مستلزما لمعرفة المنعم ، ومعرفته تستلزم محبته ، ومحبته تستلزم شكره .
فيكون قد ذكر بعض أقسام الشكر باللفظ ، ونبه على سائرها باللزوم ، وهذا من أحسن اختصاره ، وكمال معرفته وتصوره ، قدس اللّه روحه .
قال : « ومعاني الشكر ثلاثة أشياء : معرفة النعمة ، ثم قبول النعمة ، ثم الثناء بها ، وهو أيضا من سبل العامة » .
أما معرفتها : فهو إحضارها في الذهن ، ومشاهدتها وتمييزها .
فمعرفتها : تحصيلها ذهنا ، كما حصلت له خارجا ، إذ كثير من الناس تحسن إليه وهو لا يدري ، فلا يصح من هذا الشكر .
قوله : « ثم قبول النعمة » .
قبولها : هو تلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة إليها . وأن وصولها إليه بغير استحقاق منه ، ولا بذل ثمن ، بل يرى نفسه فيها كالطفيلي ، فإن هذا شاهد بقبولها حقيقة .
قوله : « ثم الثناء بها » .
الثناء على المنعم ، المتعلق بالنعمة نوعان : عام ، وخاص . فالعام : وصفه بالجود والكرم ، والبر والإحسان ، وسعة العطاء ، ونحو ذلك .
والخاص : التحدث بنعمته ، والإخبار بوصولها إليه من جهته . كما قال تعالى :
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
( 11 ) [ الضّحى : 11 ] .
وفي هذا التحدث المأمور به قولان :
أحدهما : أنه ذكر النعمة ، والإخبار بها . وقوله : أنعم اللّه عليّ بكذا وكذا ، قال مقاتل :
يعني اشكر ما ذكر من النعم عليك في هذه السورة : من جبر اليتم ، والهدى بعد الضلال ، والإغناء بعد العيلة .
والتحدث بنعمة اللّه شكر : كما في حديث جابر مرفوعا : « من صنع إليه معروف فليجز به .
فإن لم يجد ما يجزي به فليثن . فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره ، وإن كتمه فقد كفره ، ومن تحلّى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور » .
فذكر أقسام الخلق الثلاثة : شاكر النعمة المثني بها ، والجاحد لها والكاتم لها ، والمظهر أنه من أهلها ، وليس من أهلها ، فهو متحلّ بما لم يعطه .