وأخبر أن أهله هم المنتفعون بآياته ، واشتق لهم اسما من أسمائه ، فإنه سبحانه هو « الشكور » وهو يوصل الشاكر إلى مشكوره بل يعيد الشاكر مشكورا ، وهو غاية الرب من عبده ، وأهله هم القليل من عباده . قال اللّه تعالى :
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
[ البقرة : 172 ] وقال :
وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ
[ البقرة : 152 ] وقال عن خليله إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
( 120 ) [ النّحل : 120 ] .
شاكِراً لِأَنْعُمِهِ
[ النّحل : 121 ] وقال عن نوح عليه السلام :
إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً
[ الإسراء : 3 ] وقال تعالى :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( 87 ) [ النّحل : 78 ] وقال تعالى :
وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
[ العنكبوت : 17 ] وقال تعالى :
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
[ آل عمران : 144 ] وقال تعالى :
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ
( 7 ) [ إبراهيم : 7 ] وقال تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
[ لقمان :
31 ] .
وسمى نفسه « شاكرا » و « شكورا » وسمى الشاكرين بهذين الاسمين . فأعطاهم من وصفه .
وسماهم باسمه ، وحسبك بهذا محبة للشاكرين وفضلا .
وإعادته للشاكر مشكورا ، كقوله :
إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً
( 22 ) [ الإنسان :
22 ] ورضى الرب عن عبده به . كقوله :
وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ
[ الزّمر : 7 ] وقلة أهله في العالمين تدل على أنهم هم خواصه . كقوله :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ سبإ : 13 ] وفي « الصحيحين » عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أنه قام حتى تورمت قدماه . فقيل له : تفعل هذا وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : أفلا أكون عبدا شكورا ؟ » .
وقال لمعاذ « واللّه يا معاذ ، إني لأحبك . فلا تنس أن تقول في دبر كل صلاة : اللهم أعني على ذكرك ، وشكرك ، وحسن عبادتك » .
وفي « المسند » و « الترمذي » من حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كان يدعو بهؤلاء الكلمات : اللهم أعنّي ولا تعن عليّ . وانصرني ولا تنصر عليّ ، وامكر لي ولا تمكر بي ، واهدني ويسّر الهدى لي ، وانصرني على من بغى علي ، رب اجعلني لك ، شكّارا لك ، ذكّارا لك ، رهّابا لك ، مطاوعا لك ، مخبتا إليك ، أوّاها منيبا ، رب تقبل توبتي ، واغسل حوبتي ، وأجب دعوتي ، وثبت حجتي ، واهد قلبي ، وسدد لساني ، واسلل سخيمة صدري » .
أصل الشكر
وأصل « الشكر » في وضع اللسان : ظهور أثر الغذاء في أبدان الحيوان ظهورا بينا . يقال :
شكرت الدابة تشكر شكرا على وزن سمنت تسمن سمنا : إذا ظهر عليها أثر العلف ، ودابة شكور : إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تأكل . وتعطى من العلف .
وفي « صحيح مسلم » « حتى إن الدواب لتشكر من لحومهم » أي لتسمن من كثرة ما تأكل منها .
وكذلك حقيقته في العبودية ، وهو ظهور أثر نعمة اللّه على لسان عبده : ثناء واعترافا ، وعلى قلبه : شهودا ومحبة ، وعلى جوارحه : انقيادا وطاعة .