والثاني « انتظار روح الفرج » .
يعني راحته ونسيمه ولذته . فإن انتظاره ومطالعته وترقبه يخفف حمل المشقة . ولا سيما عند قوة الرجاء ، أو القطع بالفرج . فإنه يجد في حشو البلاء من روح الفرج ونسيمه وراحته : ما هو من خفيّ الألطاف ، وما هو فرج معجل . وبه - وبغيره - يفهم معنى اسمه « اللطيف » .
والثالث : « تهوين البلية » بأمرين :
أحدهما : أن يعدّ نعم اللّه عليه وأياديه عنده . فإذا عجز عن عدها ، وأيس من حصرها ، هان عليه ما هو فيه من البلاء ورآه - بالنسبة إلى أيادي اللّه ونعمه - كقطرة من بحر .
الثاني : تذكر سوالف النعم التي أنعم اللّه بها عليه . فهذا يتعلق بالماضي . وتعداد أيادي المنن : يتعلق بالحال . وملاحظة حسن الجزاء . وانتظار روح الفرج : يتعلق بالمستقبل . وأحدهما في الدنيا . والثاني يوم الجزاء .
ويحكى عن امرأة من العابدات أنها عثرت . فانقطعت إصبعها . فضحكت . فقال لها بعض من معها : أتضحكين ، وقد انقطعت إصبعك ؟ فقالت : أخاطبك على قدر عقلك . حلاوة أجرها أنستني مرارة ذكرها . إشارة إلى أن عقله لا يحتمل ما فوق هذا المقام . من ملاحظة المبتلي .
ومشاهدة حسن اختياره لها في ذلك البلاء ، وتلذذها بالشكر له ، والرضى عنه ، ومقابلة ما جاء من قبله بالحمد والشكر . كما قيل :
لئن ساءني أن نلتني بمساءة * فقد سرّني أني خطرت ببالكا
أضعف الصبر صبر العامة
قال : « وأضعف الصبر : الصبر للّه . وهو صبر العامة . وفوقه : الصبر باللّه . وهو صبر المريدين . وفوقه : الصبر على اللّه . وهو صبر السالكين » .
معنى كلامه : أن صبر العامة للّه . أي رجاء ثوابه ، وخوف عقابه . وصبر المريدين : باللّه .
أي بقوة اللّه ومعونته . فهم لا يرون لأنفسهم صبرا ، ولا قوة لهم عليه . بل حالهم التحقق ب « لا حول ولا قوة إلا باللّه » علما ومعرفة وحالا .
وفوقهما : الصبر على اللّه . أي على أحكامه . إذ صاحبه يشهد المتصرف فيه فهو يصبر على أحكامه الجارية عليه ، وجالبة عليه ما جلبت من محبوب ومكروه ، فهذه درجة صبر السالكين .
وهؤلاء الثلاثة عنده من العوام . إذ هو في مقام الصبر . وقد ذكر : أنه للعامة وأنه من أضعف منازلهم . هذا تقرير كلامه .
والصواب : أن الصبر للّه فوق الصبر باللّه ، وأعلى درجة منه وأجل . فإن الصبر للّه متعلق بإلهيته . والصبر به : متعلق بربوبيته . وما تعلق بإلهيته أكمل وأعلى مما تعلق بربوبيته .
ولأن الصبر له : عبادة . والصبر به استعانة . والعبادة غاية . والاستعانة وسيلة . والغاية مرادة لنفسها ، والوسيلة مرادة لغيرها .
ولأن الصبر به مشترك بين المؤمن والكافر ، والبر والفاجر . فكل من شهد الحقيقة الكونية صبر به .