فهذا معنى كونه صابرا مع اللّه ، أي قد جعل نفسه وقفا على أوامره ومحابه . وهو أشد أنواع الصبر وأصعبها . وهو صبر الصديقين .
قال الجنيد : المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن . وهجران الخلق في جنب اللّه شديد . والمسير من النفس إلى اللّه صعب شديد . والصبر مع اللّه أشد .
وسئل عن الصبر ؟ فقال : تجرع المرارة من غير تعبّس .
قال ذو النون المصري : الصبر التباعد من المخالفات . والسكون عند تجرع غصص البلية .
وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة .
وقيل : الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب .
وقيل : هو الفناء في البلوى ، بلا ظهور ولا شكوى .
وقيل : تعويد النفس الهجوم على المكاره .
وقيل : المقام مع البلاء بحسن الصحبة ، كالمقام مع العافية .
وقال عمرو بن عثمان : هو الثبات مع اللّه ، وتلقي بلائه بالرحب والدعة .
وقال الخواص : هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة .
وقال يحيى بن معاذ : صبر المحبين أشد من صبر الزاهدين . وا عجبا ! كيف يصبرون ؟
وأنشد :
والصبر يجمل في المواطن كلها * إلا عليك فإنه لا يجمل
وقيل : الصبر هو الاستعانة باللّه .
وقيل : هو ترك الشكوى .
وقيل :
الصبر مثل اسمه ، مرّ مذاقته * لكن عواقبه أحلى من العسل
وقيل : الصبر أن ترضى بتلف نفسك في رضى من تحبه . كما قيل :
سأصبر ، كي ترضى . وأتلف حسرة * وحسبي أن ترضى . ويتلفني صبري
وقيل : مراتب الصابرين خمسة : صابر ، ومصطبر ، ومتصبر ، وصبور ، وصبّار . فالصابر :
أعمها ، والمصطبر : المكتسب الصبر الملئ به . والمتصبر : المتكلف حامل نفسه عليه .
والصبور : العظيم الصبر الذي صبره أشد من صبر غيره . والصبّار : الكثير الصبر . فهذا في القدر والكمّ . والذي قبله في الوصف والكيف .
وقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : الصبر مطية لا تكبو .
وقف رجل على الشبلي . فقال : أي صبر أشد على الصابرين ؟ فقال : الصبر في اللّه . قال السائل : لا . فقال : الصبر للّه . فقال : لا . فقال : الصبر مع اللّه . فقال : لا . قال الشبلي : فإيش هو ؟ قال : الصبر عن اللّه . فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف .
وقال الجريري : الصبر أن لا يفرق بين حال النعمة وحال المحبة ، مع سكون الخاطر فيهما . والتصبّر : هو السكون مع البلاء ، مع وجدان أثقال المحنة .