قال أبو علي الدقاق : فاز الصابرون بعز الدارين . لأنهم نالوا من اللّه معيته . فإن اللّه مع الصابرين .
وقيل في قوله تعالى :
اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا
[ آل عمران : 200 ] إنه انتقال من الأدنى إلى الأعلى . ف « الصبر » دون المصابرة . و « المصابرة » دون « المرابطة » و « المرابطة » مفاعلة من الربط وهو الشد . وسمي المرابط مرابطا : لأن المرابطين يربطون خيولهم ينتظرون الفزع . ثم قيل لكل منتظر قد ربط نفسه لطاعة ينتظرها : مرابط . ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ألا أخبركم بما يمحو اللّه به الخطايا ، ويرفع به الدرجات ؟ إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطى إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط . فذلكم الرباط » وقال : « رباط يوم في سبيل اللّه : خير من الدنيا وما فيها » .
وقيل : اصبروا بنفوسكم على طاعة اللّه . وصابروا بقلوبكم على البلوى في اللّه . ورابطوا بأسراركم على الشوق إلى اللّه .
وقيل : اصبروا في اللّه . وصابروا باللّه . ورابطوا مع اللّه .
وقيل : اصبروا على النعماء . وصابروا على البأساء والضراء . ورابطوا في دار الأعداء .
واتقوا إله الأرض والسماء . لعلكم تفلحون في دار البقاء .
« فالصبر » مع نفسك ، و « المصابرة » بينك وبين عدوك . و « المرابطة » الثبات وإعداد العدة .
وكما أن الرباط لزوم الثغر لئلا يهجم منه العدو . فكذلك الرباط أيضا لزوم ثغر القلب . لئلا يهجم عليه الشيطان ، فيملكه أو يخربه أو يشعثه .
وقيل : تجرّع الصبر ، فإن قتلك قتلك شهيدا . وإن أحياك أحياك عزيزا .
وقيل : الصبر للّه غناء . وباللّه تعالى بقاء . وفي اللّه بلاء . ومع اللّه وفاء . وعن اللّه جفاء .
والصبر على الطلب عنوان الظفر . وفي المحن عنوان الفرج .
وقيل : حال العبد مع اللّه رباطه . وما دون اللّه أعداؤه .
وفي « كتاب » الأدب للبخاري « سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الإيمان ؟ فقال : الصبر ، والسماحة » ذكره عن موسى بن إسماعيل . قال : حدثنا سويد قال : حدثنا عبد اللّه بن عبيد بن عمير عن أبيه عن جده - فذكره .
وهذا من أجمع الكلام . وأعظمه برهانا ، وأوعبه لمقامات الإيمان من أولها إلى آخرها .
فإن النفس يراد منها شيئان : بذل ما أمرت به ، وإعطاؤه . فالحامل عليه : السماحة . وترك ما نهيت عنه ، والبعد منه . فالحامل عليه : الصبر .
وقد أمر اللّه سبحانه وتعالى في كتابه بالصبر الجميل ، والصفح الجميل ، والهجر الجميل .
فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : « الصبر الجميل » هو الذي لا شكوى فيه ولا معه . و « الصفح الجميل » هو الذي لا عتاب معه . و « الهجر الجميل » هو الذي لا أذى معه .
وفي أثر إسرائيلي : « أوحى اللّه إلى نبي من أنبيائه : أنزلت بعبدي بلائي ، فدعاني . فماطلته بالإجابة فشكاني . فقلت : عبدي . كيف أرحمك من شيء به أرحمك ؟ » .