يعد إخلاصه . وكذا العالم . لاتهامه لصدقه وإخلاصه وعلمه . وأنه لم ترسخ قدمه في ذلك . ولم يحصل له فيه ملكة . فهو كالمتشبع به .
ولما كان « اليقين » روح الأعمال وعمودها ، وذروة سنامها : خصه بالذكر . تنبيها على ما دونه .
والحاصل : أنه يتهم نفسه في حصول اليقين . فإذا حصل فليس حصوله به ولا منه ، ولا له فيه شيء . فهو يذم نفسه في عدم حصوله . ولا يحمدها عند حصوله .
وأما عد الحال دعوى : أي دعوى كاذبة ، اتهاما لنفسه ، وتطهيرا لها من رعونة الدعوى ، وتخليصا للقلب من نصيب الشيطان . فإن الدعوى من نصيب الشيطان . وكذلك القلب الساكن إلى الدعوى مأوى الشيطان . أعاذنا اللّه من الدعوى ومن الشيطان .
الدرجة الثالثة : « وأما رعاية الأوقات : « فأن يقف مع كل خطوة . ثم أن يغيب عن حضوره بالصفاء من رسمه . ثم أن يذهب عن شهود صفو صفوه » .
أي يقف مع حركة ظاهره وباطنه بمقدار تصحيحها نية وقصدا وإخلاصا ومتابعة . فلا يخطو هجما وهمجا . بل يقف قبل الخطو حتى يصحح الخطوة . ثم ينقل قدم عزمه . فإذا صحت له ونقل قدمه انفصل عنها . وقد صحت الغيبة عن شهودها ورؤيتها . فيغيب عن شهود تقدمه بنفسه .
فإن رسمه هو نفسه . فإذا غاب عن شهود نفسه وتقدمه بها في كل خطوة . فذلك عين الصفاء من رسمه الذي هو نفسه . فعند ذلك يشاهد فضل ربه .
ولما كانت النفس محل الأكدار . سمي انفصاله عنه : صفاء . وهذه الأمور تستدعي لطف إدراك ، واستعدادا من العبد . وذلك عين المنة عليه .
وأما ذهابه عن شهود صفوه : أي لا يستحضره في قلبه . ويشهد ذلك الصفو المطلوب .
ويقف عنده . فإن ذلك من بقايا النفس وأحكامها ، وهو كدر . فإذا تخلص من الكدر لا ينبغي له الالتفات والرجوع إليه . فيصفو من الرسم ، ويغيب عن الصفو بمشاهدة المطلب الأعلى ، والمقصد الأسنى .
منزلة المراقبة
ومن منازل
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
منزلة « المراقبة » .
قال اللّه تعالى :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ
[ البقرة : 235 ] وقال تعالى :
وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً
[ الأحزاب : 52 ] وقال تعالى :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
[ الحديد : 4 ] وقال تعالى :
أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى
( 14 ) [ العلق : 14 ] وقال تعالى :
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا
[ الطّور : 48 ] وقال تعالى :
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ
( 19 ) [ غافر : 19 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وفي حديث جبريل عليه السلام : أنه « سأل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الإحسان ؟ فقال له : أن تعبد اللّه كأنك تراه . فإن لم تكن تراه فإنه يراك » .
« المراقبة » دوام علم العبد ، وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه .
فاستدامته لهذا العلم واليقين : هي « المراقبة » وهي ثمرة علمه بأن اللّه سبحانه رقيب عليه ، ناظر