إليه ، سامع لقوله . وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة ، وكل نفس وكل طرفة عين .
والغافل عن هذا بمعزل عن حال أهل البدايات . فكيف بحال المريدين ؟ فكيف بحال العارفين ؟ .
قال الجريري : من لم يحكّم بينه وبين اللّه تعالى التقوى والمراقبة : لم يصل إلى الكشف والمشاهدة ؟
وقيل : من راقب اللّه في خواطره ، عصمه في حركات جوارحه .
وقيل لبعضهم : متى يهشّ الراعي غنمه بعصاه عن مراتع الهلكة ؟ فقال : إذا علم أن عليه رقيبا .
وقال الجنيد : من تحقق في المراقبة خاف على فوات لحظة من ربه لا غير .
وقال ذو النون : علامة المراقبة إيثار ما أنزل اللّه ، وتعظيم ما عظم اللّه ، وتصغير ما صغّر اللّه .
وقيل : الرجاء يحرك إلى الطاعة ، والخوف يبعد عن المعاصي ، والمراقبة تؤديك إلى طريق الحقائق .
وقيل : المراقبة مراعاة القلب لملاحظة الحق مع كل خطرة وخطوة .
وقال الجريري : أمرنا هذا مبني على فصلين : أن تلزم نفسك المراقبة للّه ، وأن يكون العلم على ظاهرك قائما .
وقال إبراهيم الخواص : المراقبة خلوص السر والعلانية للّه عزّ وجلّ .
وقيل : أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطريق : المحاسبة والمراقبة ، وسياسة عمله بالعلم .
وقال أبو حفص لأبي عثمان النيسابوري : إذا جلست للناس فكن واعظا لقلبك ونفسك .
ولا يغرنك اجتماعهم عليك . فإنهم يراقبون ظاهرك . واللّه يراقب باطنك .
وأرباب الطريق مجمعون على أن مراقبة اللّه تعالى في الخواطر : سبب لحفظها في حركات الظواهر . فمن راقب اللّه في سره ، حفظه اللّه في حركاته في سره وعلانيته .
و « المراقبة » هي التعبد باسمه « الرقيب ، الحفيظ ، العليم ، السميع ، البصير » فمن عقل هذه الأسماء ، وتعبد بمقتضاها : حصلت له المراقبة ، واللّه أعلم .
درجات المراقبة
قال صاحب المنازل :
« المراقبة : دوام ملاحظة المقصود . وهي على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : مراقبة الحق تعالى في السير إليه على الدوام ، بين تعظيم مذهل ، ومداناة حاملة . وسرور باعث » .
فقوله : « دوام ملاحظة المقصود » أي دوام حضور القلب معه .
وقوله : « بين تعظيم مذهل » فهو امتلاء القلب من عظمة اللّه عزّ وجلّ .
بحيث يذهله ذلك عن تعظيم غيره ، وعن الالتفات إليه . فلا ينسى هذا التعظيم عند حضور قلبه مع اللّه . بل يستصحبه دائما . فإن الحضور مع اللّه يوجب أنسا ومحبة ، إن لم يقارنهما