أصابه . فرغبته لا تدع من مجهوده مقدورا له إلا بذله . ولا تدع لهمته وعزيمته فترة ولا خمودا ، وعزيمته في مزيد بعدد الأنفاس . ولا تترك في قلبه نصيبا لغير مقصوده ، وذلك لغلبة سلطان الحال .
وصاحب هذه الحال لا يقاومه إلا حال مثل حاله أو أقوى منه . ومتى لم يصادفه حال تعارضه فله من النفوذ والتأثير بحسب حاله .
قال « الدرجة الثالثة : رغبة أهل الشهود . وهي تشرّف يصحبه تقيّة . تحمله عليها همة نقية .
لا تبقي معه من التفرق بقية » .
يشير الشيخ بذلك إلى حالة الفناء التي يحمله عليها همة نقية من أدناس الالتفات إلى ما سوى الحق . بحيث لا يبقى معه بقية من تفرقة . بل قد اجتمع شاهده كله وانحصر في مشهوده .
وأراد بالشهود ههنا شهود الحقيقة .
وقوله « تشرف » أي استشرف الغيبة في الفناء .
ويحتمل أن يريد به تشرفا عن التفاته إلى ما سوى مشهوده .
و « التقية » التي تصحب هذا التشرف : يحتمل أن يريد بها التقية من إظهار الناس على حاله ، واطلاعهم عليها ، صيانة لها وغيرة عليها .
ويحتمل أن يريد بها الحذر من التفاته في شهوده إلى ما سوى حضرة مشهوده . فهي تتقي ذلك الالتفات وتحذره كل الحذر .
ثم ذكر الحامل له على هذه الرغبة . وهي اللطيفة المدركة المريدة التي قد تطهرت قبل وصولها إلى هذه الغاية . وهي الهمة النقية . ولو لم يحصل لها كمال الطهارة لبقيت عليها بقية منها تمنعها من وصولها إلى هذه الدرجة . واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
منزلة الرعاية
ومن منازل
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
منزلة « الرعاية » .
وهي مراعاة العلم وحفظه بالعمل . ومراعاة العمل بالإحسان والإخلاص . وحفظه من المفسدات . ومراعاة الحال بالموافقة . وحفظه بقطع التفريق . فالرعاية صيانة وحفظ .
ومراتب العلم والعمل ثلاثة : « رواية » وهي مجرد النقل وحمل المروي . و « دراية » وهي فهمه وتعقّل معناه . و « رعاية » وهي العمل بموجب ما علمه ومقتضاه .
فالنّقلة همتهم الرواية . والعلماء همتهم الدراية . والعارفون همتهم الرعاية .
وقد ذم اللّه من لم يرع ما اختاره وابتدعه من الرهبانية حق رعايته . فقال تعالى :
وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها
[ الحديد : 27 ] .
« رهبانية » منصوب « بابتدعوها » على الاشتغال . إما بنفس الفعل المذكور - على قول الكوفيين - وإما بمقدر محذوف مفسر بهذا المذكور - على قول البصريين - أي وابتدعوا رهبانية .