فقالت طائفة : يزول . لأنه إنما يكون مع الغيبة . وهو سفر القلب إلى المحبوب . فإذا انتهى السفر ، واجتمع بمحبوبه ، وضع عصا الاشتياق عن عاتقه . وصار الاشتياق أنسا به ولذة بقربه .
وقالت طائفة : بل يزيد ولا يزول باللقاء .
قالوا : لأن الحب يقوى بمشاهدة جمال المحبوب أضعاف ما كان حال غيبته . وإنما يواري سلطانه فناءه ودهشته بمعاينة محبوبه ، حتى إذا توارى عنه ظهر سلطان شوقه إليه ، ولهذا قيل :
وأعظم ما يكون الشوق يوما * إذا دنت الخيام من الخيام
وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاة وتوابعها في كتابنا الكبير في المحبة . وفي كتاب « سفر الهجرتين » ، وسنعود إليها إذا انتهينا إلى منزلتها إن شاء اللّه تعالى .
وقوله : « المنغص للعيش » فلا ريب أن عيش المشتاق منغص حتى يلقى محبوبه . فهناك تقر عينه . ويزول عن عيشه تنغيصه . وكذلك يزهد في الخلق غاية التزهيد . لأن صاحبه طالب للأنس باللّه والقرب منه . فهو أزهد شيء في الخلق ، إلا من أعانه على هذا المطلوب منهم وأوصله إليه . فهو أحب خلق اللّه إليه . ولا يأنس من الخلق بغيره . ولا يسكن إلى سواه . فعليك بطلب هذا الرفيق جهدك . فإن لم تظفر به فاتخذ اللّه صاحبا . ودع الناس كلهم جانبا .
مت بداء الهوى ، وإلا فخاطر * واطرق الحي والعيون نواظر
لا تخف وحشة الطريق إذا جئ * ت وكن في خفارة الحب سائر
واصبر النفس ساعة عن سواهم * فإذا لم تجب لصبر فصابر
وصم اليوم واجعل الفطر يوما * فيه تلقى الحبيب بالبشر شاكر
وافطم النفس عن سواه فكل ال * عيش بعد الفطام نحوك صائر
وتأمل سريرة القلب واستح * ي من اللّه يوم تبلى السرائر
واجعل الهمّ واحدا يكفك الل * ه هموما شتّى فربك قادر
وانتظر يوم دعوة الخلق إلى الل * ه ربهم من بطون المقابر
واستمع ما الذي به أنت تدعى * به من صفات تلوح وسط المحاضر
وسمات تبدو على أوجه الخل * ق عيانا تجلى على كل ناظر
يا أخا اللبّ ، إنما السير عزم * ثم صبر مؤيد بالبصائر
يا لها من ثلاثة من ينلها * يرق يوم المزيد فوق المنابر
فاجتهد في الذي يقال لك ال * بشرى بذا ، يوم ضرب البشائر
عمل خالص بميزان وحي * مع سرّ هناك في القلب حاضر
منزلة الرّغبة
ومن منازل
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
منزلة « الرغبة » .
قال اللّه عزّ وجلّ :
وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً
[ الأنبياء : 90 ] والفرق بين « الرغبة » و « الرجاء » أن الرجاء طمع . والرغبة طلب . فهي ثمرة الرجاء . فإنه إذا رجا الشيء طلبه . والرغبة من الرجاء