الالتفات ، فيورثه ذلك حالا عجيبة .
ولا تعجل بالإنكار . وانظر إلى قلبك عند هجوم أعظم محبوب له عليه في هذه الحال ، كيف تراه ؟ فهكذا حال غيرك .
ولا ريب أن النفس إذا نالت حظا صالحا من الدنيا قويت به وسرّت ، واستجمعت قواها وجمعتها وزال تشتتها .
اللهم اغفر . فقد طغى القلم ، وزاد الكلم ، فعياذا بك اللهم من مقتك .
وأما « حسم الجأش » فهو قطع اضطراب القلب ، المتعلق بأسباب الدنيا ، رغبة ورهبة ، وحبا وبغضا ، وسعيا . فلا يصح الزهد للعبد حتى يقطع هذا الاضطراب من قلبه . بأن لا يلتفت إليها ، ولا يتعلق بها في حالتي مباشرته لها وتركه . فإن الزهد زهد القلب ، لا زهد الترك من اليد وسائر الأعضاء . فهو تخلي القلب عنها لا خلو اليد منها .
وأما « التحلي بحلية الأنبياء والصديقين » فإنهم أهل الزهد في الدنيا حقا . إذ هم مشمرون إلى علم قد رفع لهم غيرها . فهم زاهدون ، وإن كانوا لها مباشرين .
قال « الدرجة الثالثة : الزهد في الزهد . وهو بثلاثة أشياء : استحقار ما زهدت فيه .
واستواء الحالات فيه عندك . والذهاب عن شهود الاكتساب ، ناظرا إلى وادي الحقائق »
وقد فسر الشيخ مراده بالزهد في الزهد بثلاثة أشياء :
أحدها : احتقاره ما زهد فيه . فإن من امتلأ قلبه بمحبة اللّه وتعظيمه لا يرى أن ما تركه لأجله من الدنيا يستحق أن يجعل قربانا . لأن الدنيا بحذافيرها لا تساوي عند اللّه جناح بعوضة .
فالعارف لا يرى زهده فيها كبير أمر يعتد به ويحتفل له ، فيستحي من صحّ له الزهد أن يجعل لما تركه للّه قدرا يلاحظ زهده فيه ، بل يفنى عن زهده فيه كما فني عنه . ويستحي من ذكره بلسانه ، وشهوده بقلبه .
وأما استواء الحالات فيه عنده : فهو أن يرى ترك ما زهد فيه وأخذه : متساويين عنده . إذ ليس له عنده قدر . وهذا من دقائق فقه الزهد . فيكون زاهدا في حال أخذه ، كما هو زاهد في حال تركه ، إذ همته أعلى من ملاحظته أخذا وتركا ، لصغره في عينه .
وأما « الذهاب عن شهود الاكتساب » فمعناه : أن من استصغر الدنيا بقلبه ، واستوت الحالات في أخذها وتركها عنده : لم ير أنه اكتسب بتركها عند اللّه درجة البتة . لأنها أصغر في عينه من أن يرى أنه اكتسب بتركها الدرجات .
وفيه معنى آخر : وهو أن يشاهد تفرد اللّه عزّ وجلّ بالعطاء والمنع . فلا يرى أنه ترك شيئا ولا أخذ شيئا . بل اللّه وحده هو المعطي المانع . فما أخذه فهو مجرى لعطاء اللّه إياه ، كمجرى الماء في النهر . وما تركه للّه . فاللّه سبحانه وتعالى هو الذي منعه منه . فيذهب بمشاهدة الفعّال وحده عن شهود كسبه وتركه . فإذا نظر إلى الأشياء بعين الجمع ، وسلك في وادي الحقيقة ، غاب عن شهود اكتسابه . وهو معنى قوله : « ناظرا إلى وادي الحقائق » وهذا أليق المعنيين بكلامه . فهذا زهد الخاصة . قال الشاعر :
إذا زهدتني في الهوى خشية الردى * جلت لي عن وجه يزهّد في الزهد