وقال يوسف بن أسباط : لو بلغني أن رجلا بلغ في الزهد منزلة أبي ذر وأبي الدرداء وسلمان والمقداد وأشباههم من الصحابة رضي اللّه عنهم ما قلت له زاهد . لأن الزهد لا يكون إلا في الحلال المحض . والحلال المحض لا يوجد في زماننا هذا . وأما الحرام : فإن ارتكبته عذبك اللّه عزّ وجلّ .
ثم اختلف هؤلاء في متعلق الزهد .
فقالت طائفة : الزهد إنما هو في الحلال . لأن ترك الحرام فريضة .
وقالت فرقة : بل الزهد لا يكون إلا في الحرام . وأما الحلال : فنعمة من اللّه تعالى على عبده . واللّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده . فشكره على نعمه ، والاستعانة بها على طاعته ، واتخاذها طريقا إلى جنته : أفضل من الزهد فيها ، والتخلي عنها ، ومجانبة أسبابها .
والتحقيق : أنها إن شغلته عن اللّه « 1 » . فالزهد فيها أفضل . وإن لم تشغله عن اللّه ، بل كان شاكرا للّه فيها ، فحاله أفضل . والزهد فيها تجريد القلب عن التعلق بها ، والطمأنينة إليها . واللّه أعلم .
تعريف الزهد
قال صاحب المنازل :
« الزهد : هو إسقاط الرغبة عن الشيء بالكلية » .
يريد بالشيء المزهود فيه : ما سوى اللّه . والإسقاط عنه : إزالته عن القلب ، وإسقاط تعلق الرغبة به .
وقوله : « بالكلية » أي بحيث لا يلتفت إليه ، ولا يتشوق إليه .
قال : « وهو للعامة : قربة . وللمريد : ضرورة . وللخاصة : خشية » .
يعني أن العامة تتقرب به إلى اللّه . و « القربة » ما يتقرب به المتقرب إلى محبوبه .
وهو ضرورة للمريد . لأنه لا يحصل له التخلي بما هو بصدده ، إلا بإسقاط الرغبة فيما سوى مطلوبه . فهو مضطر إلى الزهد ، كضرورته إلى الطعام والشراب . إذ التعلق بسوى مطلوبه لا يعدم منه حجابا ، أو وقفة ، أو نكسة ، على حسب بعد ذلك الشيء من مطلوبه ، وقوة تعلقه به وضعفه .
وإنما كان خشية للخاصة : لأنهم يخافون على ما حصل لهم من القرب والأنس باللّه ، وقرة عيونهم به : أن يتكدر عليهم صفوه بالتفاتهم إلى ما سوى اللّه . فزهدهم خشية وخوف .
هامش
( 1 ) إن كان المراد : تشغله عن اللّه ربا . فلا يمكنه ذلك ولا يقدر عليه ، لأنه ليس إلا عبدا مربوبا للّه . فاللّه ربه الغني وهو عبده الفقير المحتاج إلى عطاء ربه ، رغم أنفه ، وإن كان المراد : تشغله عن اللّه إلها ومعبودا .
فالمؤمن البر التقي لن يحصل له الإيمان الصادق والتقوى إلا بحسن تبصره في الانتفاع بنعم ربه كلها عليه .
وأن يكون نظر قلبه محيطا بها من جميع جوانبها ، وأنها من عطاء ربه الغني الحميد . قد تفضل عليه بها يبتليه ويختبره ، كرما منه ورحمة وحكمة ، ليربيه بها ويرفع مكانته وقدره في الأولى والأخرى . فهو مؤلّه لربه وحده ، عابد له أصدق العبادة ربه ، مسلم وجهه له وحده في كل نعمة وبكل نعمة . وهل يكون عابدا ومسلما إلا في هذه النعم وبها ؟ فكيف يزهد فيها ؟ .