منزلة الورع
ومن منازل
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
منزلة « الورع » .
قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
( 51 ) [ المؤمنون : 51 ] وقال تعالى :
وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ
( 4 ) [ المدّثّر : 4 ] قال قتادة ومجاهد : نفسك فطهر من الذنب . فكنى عن النفس بالثوب . وهذا قول إبراهيم النخعي والضحاك ، والشعبي ، والزهري ، والمحققين من أهل التفسير . قال ابن عباس : لا تلبسها على معصية ولا غدر . ثم قال : أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي :
وإني - بحمد اللّه - لا ثوب غادر * لبست ، ولا من غدرة أتقنع
والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء : طاهر الثياب . وتقول للغادر والفاجر :
دنس الثياب . وقال أبيّ بن كعب : لا تلبسها على الغدر ، والظلم والإثم . ولكن ألبسها وأنت برّ طاهر .
وقال الضحاك : عملك فأصلح . قال السدي : يقال للرجل ، إذا كان صالحا : إنه لطاهر الثياب . وإذا كان فاجرا : إنه لخبيث الثياب . وقال سعيد بن جبير : وقلبك وبيتك فطهر . وقال الحسن والقرظي : وخلقك فحسن .
وقال ابن سيرين وابن زيد : أمر بتطهير الثياب من النجاسات التي لا تجوز الصلاة معها .
لأن المشركين كانوا لا يتطهرون ، ولا يطهرون ثيابهم .
وقال طاوس : وثيابك فقصّر . لأن تقصير الثياب طهرة لها .
والقول الأول : أصح الأقوال .
ولا ريب أن تطهيرها من النجاسات وتقصيرها من جملة التطهير المأمور به ، إذ به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق . لأن نجاسة الظاهر تورث نجاسة الباطن . ولذلك أمر القائم بين يدي اللّه عزّ وجلّ بإزالتها والبعد عنها .
والمقصود : أن « الورع » يطهر دنس القلب ونجاسته . كما يطهر الماء دنس الثوب ونجاسته .
وبين الثياب والقلوب مناسبة ظاهرة وباطنة . ولذلك تدل ثياب المرء في المنام على قلبه وحاله .
ويؤثر كل منهما في الآخر . ولهذا نهي عن لباس الحرير والذهب ، وجلود السباع ، لما تؤثر في القلب من الهيئة المنافية للعبودية والخشوع . وتأثير القلب والنفس في الثياب أمر خفي . يعرفه أهل البصائر من نظافتها ودنسها ورائحتها ، وبهجتها وكسفتها ، حتى إن ثوب البر ليعرف من ثوب الفاجر ، وليسا عليهما .
وقد جمع النبي صلى اللّه عليه وسلم الورع كله في كلمة واحدة . فقال : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » فهذا يعم الترك لما لا يعني : من الكلام ، والنظر ، والاستماع ، والبطش ، والمشي ، والفكر ، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة . فهذه الكلمة كافية شافية في الورع .
قال إبراهيم بن أدهم : الورع ترك كل شبهة ، وترك ما لا يعنيك هو ترك الفضلات . وفي « الترمذي » مرفوعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يا أبا هريرة كن ورعا ، تكن أعبد الناس » .