وقال : الزهد في قوله تعالى :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
( 23 ) [ الحديد : 23 ] فالزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود . ولا يأسف منها على مفقود .
وقال يحيى بن معاذ : الزهد يورث السخاء بالملك ، والحب يورث السخاء بالروح .
وقال ابن الجلاء : الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال ، فتصغر في عينك ، فيسهل عليك الإعراض عنها .
وقال ابن خفيف : الزهد وجود الراحة في الخروج من الملك .
وقال أيضا : الزهد سلو القلب عن الأسباب ، ونفض الأيدي من الأملاك .
وقيل : هو عزوف القلب عن الدنيا بلا تكلف .
وقال الجنيد : الزهد خلو القلب عما خلت منه اليد .
وقال الإمام أحمد : الزهد في الدنيا قصر الأمل .
وعنه رواية أخرى : أنه عدم فرحه بإقبالها . ولا حزنه على إدبارها . فإنه سئل عن الرجل يكون معه ألف دينار . هل يكون زاهدا ؟ فقال : نعم . على شريطة أن لا يفرح إذا زادت ، ولا يحزن إذا نقصت .
وقال عبد اللّه بن المبارك : هو الثقة باللّه مع حب الفقر . وهذا قول شقيق ويوسف بن أسباط .
وقال عبد الواحد بن زيد ، الزّهد : الزهد في الدينار والدرهم .
وقال أبو سليمان الداراني : ترك ما يشغل عن اللّه . وهو قول الشبلي .
وسأل رويم الجنيد عن الزهد ؟ فقال : استصغار الدنيا ، ومحو آثارها من القلب . وقال مرة : هو خلو اليد عن الملك ، والقلب عن التتبع .
وقال يحيى بن معاذ : لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال : عمل بلا علاقة ، وقول بلا طمع ، وعز بلا رياسة .
وقال أيضا : الزاهد يسعطك الخل والخردل ، والعارف يشمّك المسك والعنبر .
وقيل : حقيقته هو الزهد في النفس . وهذا قول ذي النون المصري .
وقيل : الزهد الإيثار عند الاستغناء ، والفتوة الإيثار عند الحاجة . قال اللّه تعالى :
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
[ الحشر : 9 ] .
وقال رجل ليحيى بن معاذ : متى أدخل حانوت التوكل ، وألبس رداء الزاهدين ، وأقعد معهم ؟ فقال : إذا صرت من رياضتك لنفسك إلى حد لو قطع اللّه الرزق عنك ثلاثة أيام لم تضعف نفسك « 1 » فأما ما لم تبلغ إلى هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل ، ثم لا آمن عليك أن تفتضح .
هامش
( 1 ) من صوفية وثنيي الهنود من يمكث العشرين يوما - وربما أكثر - لا يذوق طعاما . وهم أشد الناس تباعدا عن نعم اللّه ، ومقتا لها ، وزهدا فيها . وكان إمام المهتدين وسيد المتقين صلى اللّه عليه وسلم يحب الطيبات من المطعوم والمشروب والملبوس ومن النساء . فأيهما ترضى أن يكون لك إماما وقدوة ؟ .