و « الخشية » أخص من الخوف . فإن الخشية للعلماء باللّه ، قال اللّه تعالى
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] فهي خوف مقرون بمعرفة . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إني أتقاكم للّه ، وأشدكم له خشية » .
فالخوف حركة . والخشية انجماع ، وانقباض وسكون . فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك : له حالتان :
إحداهما : حركة للهرب منه ، وهي حالة الخوف .
والثانية : سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه فيه . وهي الخشية . ومنه : انخشى الشيء ، والمضاعف والمعتل أخوان . كتقضى البازي وتقضض .
وأما « الرهبة » فهي الإمعان في الهرب من المكروه . وهي ضد « الرغبة » التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه .
وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى . يجمعهما الاشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع .
وأما « الوجل » فرجفان القلب ، وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته ، أو لرؤيته .
وأما « الهيبة » : فخوف مقارن للتعظيم والإجلال ، وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة .
والإجلال : تعظيم مقرون بالحب .
فالخوف لعامة المؤمنين . والخشية للعلماء العارفين . والهيبة للمحبين . والإجلال للمقربين . وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إني لأعلمكم باللّه . وأشدكم له خشية » وفي رواية « خوفا » وقال « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا ، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى اللّه تعالى » .
فصاحب الخوف : يلتجىء إلى الهرب . والإمساك ، وصاحب الخشية : يلتجىء إلى الاعتصام بالعلم . ومثلهما مثل من لا علم له بالطب . ومثل الطبيب الحاذق ، فالأول يلتجىء إلى الحمية والهرب . والطبيب يلتجىء إلى معرفته بالأدوية والأدواء .
قال أبو حفص : الخوف سوط اللّه ، يقوّم به الشاردين عن بابه . وقال : الخوف سراج في القلب . به يبصر ما فيه من الخير والشر . وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا اللّه عزّ وجلّ . فإنك إذا خفته هربت إليه .
فالخائف هارب من ربه إلى ربه .
قال أبو سليمان : ما فارق الخوف قلبا إلا خرب . وقال إبراهيم بن سفيان : إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها ، وطرد الدنيا عنها . وقال ذو النون : الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف . فإذا زال عنهم الخوف ضلّوا الطريق . وقال حاتم الأصم : لا تغتر بمكان صالح . فلامكان أصلح من الجنة ، ولقي فيها آدم ما لقي « 1 » . ولا تغتر بكثرة العبادة ، فإن إبليس بعد طول العبادة لقي ما لقي . ولا تغترّ بكثرة العلم ، فإن بلعام بن باعورا لقي ما لقي
هامش
( 1 ) أين الدليل على هذا من الكتاب أو السنة ؟