قال : « وهي على ثلاث درجات : رياضة العامة ، وهي تهذيب الأخلاق بالعلم . وتصفية الأعمال بالإخلاص . وتوفير الحقوق في المعاملة »
أما تهذيب الأخلاق بالعلم : فالمراد به إصلاحها وتصفيتها بموجب العلم . فلا يتحرك بحركة ظاهرة أو باطنة إلا بمقتضى العلم . فتكون حركات ظاهرة وباطنة موزونة بميزان الشرع .
وأما تصفية الأعمال بالإخلاص : فهو تجريدها عن أن يشوبها باعث لغير اللّه ، وهي عبارة عن توحيد المراد ، وتجريد الباعث إليه .
وأما توفير الحقوق في المعاملة : فهو أن تعطي ما أمرت به من حق اللّه وحقوق العباد كاملا موفرا ، قد نصحت فيه صاحب الحق غاية النصح ، وأرضيته كل الرضى ، ففزت بحمده لك وشكره .
ولما كانت هذه الثلاثة شاقة على النفس جدا ، كان تكلفها رياضة ، فإذا اعتادها صارت خلقا .
قال « ورياضة الخاصة : حسم التفرق ، وقطع الالتفات إلى المقام الذي جاوزه ، وإبقاء العلم يجري مجراه » .
يريد بحسم التفرق : قطع ما يفرق قلبك عن اللّه بالجمعية عليه ، والإقبال بكليتك إليه ، حاضرا معه بقلبك كله ، لا تلتفت إلى غيره .
وأما قطع الالتفات إلى المقام الذي جاوزه ، فهو أن لا يشتغل باستحسان علوم ذلك المقام ولذته واستحسانه ، بل يلهى عنه معرضا مقبلا على اللّه ، طالبا للزيادة ، خائفا أن يكون ذلك المقام له حجابا يقف عنده عن السير . فهمته حفظه ، ليس له قوة ولا همة أن ينهض إلى ما فوقه .
ومن لم تكن همته التقدم فهو في تأخر ولا يشعر ، فإنه لا وقوف في الطبيعة ، ولا في السير ، بل إما إلى قدّام ، وإما إلى وراء . فالسالك الصادق لا ينظر إلى ورائه . ولا يسمع النداء إلا من أمامه لا من ورائه .
وأما إبقاء العلم يجري مجراه : فالذهاب مع داعي العلم أين ذهب به ، والجري معه في تياره أين جرى .
وحقيقة ذلك : الاستسلام للعلم ، وأن لا تعارضه بجمعية ، ولا ذوق ، ولا حال . بل امض معه حيث ذهب . فالواجب تسليط العلم على الحال . وتحكيمه عليه ، وأن لا يعارض به .
وهذا صعب جدا إلا على الصادقين من أرباب العزائم . فلذلك كان من أنواع الرياضة .
ومتى تمرنت النفس عليه وتعودته صار خلقا . وكثير من السالكين إذا لاحت له بارقة ، أو غلبه حال أو ذوق : خلى العلم وراء ظهره ، ونبذه وراءه ظهريا . وحكّم عليه الحال . هذا حال أكثر السالكين . وهي حال أهل الانحراف الذين يصدون عن سبيل اللّه ويبغونها عوجا . ولهذا عظمت وصية أهل الاستقامة من الشيوخ بالعلم والتمسك به .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 297
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٢٩٧