فإنهم لما علموا أن حقائق هذه الأوامر هي المطلوبة أرواحها ، لا صورها وأشباحها ورسومها ، قالوا : نجمع هممنا على مقاصدها وحقائقها ، ولا حاجة لنا إلى رسومها وظواهرها ، بل الاشتغال برسومها اشتغال عن الغاية بالوسيلة ، وعن المطلوب لذاته بالمطلوب لغيره . وغرّهم ما رأوا فيه الواقفين مع رسوم الأعمال وظواهرها دون مراعاة حقائقها ومقاصدها وأرواحها .
فرأوا نفوسهم أشرف من نفوس أولئك ، وهممهم أعلى ، وأنهم المشتغلون باللب وأولئك بالقشر . فتركّب من تقصير هؤلاء وعدوان هؤلاء تعطيل .
وجملة الأمر : أن هؤلاء عطلوا سره ومقصوده وحقيقته . وهؤلاء عطلوا رسمه وصورته .
فظنوا أنهم يصلون إلى حقيقته ، من غير رسمه وظاهره ، فلم يصلوا إلا إلى الكفر والزندقة .
وجحدوا ما علم بالضرورة مجيء الرسل به . فهؤلاء كفار زنادقة منافقون . وأولئك مقصرون غير كاملين . والقائمون بهذا وهذا هم الذين يرون أن الأمر متوجه إلى قلوبهم قبل جوارحهم . وأن على القلب عبودية في الأمر كما على الجوارح . وأن تعطيل عبودية القلب بمنزلة تعطيل عبودية الجوارح . وأن كمال العبودية قيام كل من الملك وجنوده « 1 » بعبوديته . فهؤلاء خواص أهل الإيمان وأهل العلم والعرفان .
وقوله : « ومن الحظوظ إلى التجريد » .
يريد الفرار من حظوظ النفوس على اختلاف مراتبها . فإنه لا يعرفها إلا المعتنون بمعرفة اللّه ومراده ، وحقه على عبده ، ومعرفة نفوسهم وأعمالهم وآفاتهما وربّ مطالب عالية لقوم من العباد هي حظوظ لقوم آخرين يستغفرون اللّه منها ويفرون إليه منها . يرونها حائلة بينهم وبين مطلوبهم .
وبالجملة فالحظ : ما سوى مراد اللّه الديني منك ، كائنا ما كان ، وهو ما يبرح حظ محرم إلى مكروه إلى مباح إلى مستحب ، غيره أحب إلى اللّه منه . ولا يتميز هذا إلا في مقام الرسوخ في العلم باللّه وأمره ، وبالنفس وصفاتها وأحوالها .
فهناك تتبين له الحظوظ من الحقوق ، ويفر من الحظ إلى التجريد . وأكثر الناس لا يصلح لهم هذا ، لأنهم إنما يعبدون اللّه على الحظوظ وعلى مرادهم منه . وأما تجريد عبادته على مراده من عبده :
فتلك منزلة لم يعطها أحد * سوى نبي وصدّيق من البشر
والزهد زهدك فيها ليس زهدك في * ما قد أبيح لنا في محكم السور
والصدق صدقك في تجريدها وكذا ال * إخلاص تخليصها إن كنت ذا بصر
كذا توكل أرباب البصائر في * تجريد أعمالهم من ذلك الكدر
كذاك توبتهم منها فهم أبدا * في توبة أو يصيروا داخل الحفر
وبالجملة فصاحب هذا التجريد : لا يقنع من اللّه بأمر يسكن إليه دون اللّه ، ولا يفرح بما
هامش
( 1 ) يريد بالملك القلب وبجنوده الأعضاء كما جاء في الحديث « إلا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله . وإذا فسدت فسد الجسد كله . ألا وهي القلب » .