الظن بالسعة . فإنه لا أشرح للصدر ، ولا أوسع له - بعد الإيمان - من ثقته باللّه ورجائه له وحسن ظنه به .
قال : « وفرار الخاصة من الخبر إلى الشهود . ومن الرسوم إلى الأصول . ومن الحظوظ إلى التجريد » .
يعني أنهم لا يرضون أن يكون إيمانهم عن مجرد خبر ، حتى يترقوا منه إلى مشاهدة المخبر عنه . فيطلبون الترقي من علم اليقين بالخبر إلى عين اليقين بالشهود ، كما طلب إبراهيم الخليل صلوات اللّه وسلامه عليه ذلك من ربه . إذ قال :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
[ البقرة : 260 ] فطلب إبراهيم أن يكون اليقين عيانا . والمعلوم مشاهدا .
وهذا هو المعنى الذي عبر عنه النبي صلى اللّه عليه وسلم بالشك في قوله : « نحن أحق بالشك من إبراهيم » حيث قال
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
[ البقرة : 260 ] » وهو صلى اللّه عليه وسلم لم يشك ولا إبراهيم . حاشاهما من ذلك . وإنما عبّر عن هذا المعنى بهذه العبارة .
هذا أحد الأقوال في الحديث .
وفيه قول ثان : إنه على وجه النفي . أي لم يشك إبراهيم حيث قال ما قال . ولم نشك نحن . وهذا القول صحيح أيضا أي لو كان ما طلبه للشك لكنا نحن أحق به منه ، لكن لم يطلب ما طلب شكّا ، وإنما طلب ما طلبه طمأنينة .
فالمراتب ثلاث ، علم يقين يحصل عن الخبر . ثم تتجلى حقيقة المخبر عنه للقلب أو البصر ، حتى يصير العلم به عين يقين ، ثم يباشره ويلابسه فيصير حق يقين . فعلمنا بالجنة والنار الآن علم يقين . فإذا أزلفت الجنة للمتقين في الموقف ، وبرّزت الجحيم للغاوين ، وشاهدوهما عيانا ، كان ذلك عين يقين ، كما قال تعالى
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( 6 ) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ
( 7 ) [ التّكاثر : 6 ، 7 ] فإذا دخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، فذلك حق اليقين . وسنزيد ذلك إيضاحا إن شاء اللّه تعالى إذا انتهينا إليه .
وأما قوله : « ومن الرسوم إلى الأصول » .
فإنه يريد بالرسوم : ظواهر العلم والعمل . وبالأصول : حقائق الإيمان ومعاملات القلوب ، وأذواق الإيمان ووارداته . فيفر من أحكام العلم والعمل إلى خشوع السر للعرفان . فإن أرباب العزائم في السير لا يقنعون برسوم الأعمال وظواهرها . ولا يعتدّون إلا بأرواحها وحقائقها . وما يثبته لهم التعرف الإلهي . وهو نصيبهم من الأمر .
والتعرف الإلهي لا يقتضي مفارقة الأمر . كما يظن قطاع الطريق وزنادقة الصوفية . بل يستخرج منهم حقائق الأمر ، وأسرار العبودية ، وروح المعاملة . فحظهم من الأمر : حظ العالم بمراد المتكلم من كلامه ، تصريحا وإيماء ، وتنبيها وإشارة . وحظ غيرهم منه : حظ التالي له حفظا ، بلا فهم ولا معرفة لمراده . وهؤلاء أحوج شيء إلى الأمر . لأنهم لم يصلوا إلى تلك التعرفات والحقائق إلا به . فالمحافظة عليه لهم علما ومعرفة وعملا وحالا ضرورية ، لا عوض لهم عنه البتة .
وهذا القدر هو الذي فات الزنادقة ، وقطاع الطريق من المنتسبين إلى طريقة القوم .