على أنّ التشيّع لم يكن مستلزما - كما يظنّه بعض من لا بصيرة له من العوام - لتوهين أحد من المسلمين أو سبّه ، وإنّما هذه شأن الجهلة والغوغاء .
فهذا أمير المؤمنين ومن يفتخر الشيعة بالاقتداء به بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ينهي أصحابه - مثل عمرو بن الحمق وحجر بن عدي - عن لعن أهل الشام ، ويقول لهم : « كرهت لكم أن تكونوا لعّانين شتّامين ، تشتمون وتتبرّؤون . . . » « أ » .
وقبل ذلك فقد نهى اللّه تعالى عن سبّ الكفّار ، فقال عز من قائل :
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ
[ 6 / 108 ] .
بل الصحيح في التحقيق عن مذهب الأشخاص النظر في آرائهم وعقائدهم وملائمة ذلك مع أيّ مذهب ؛ فالعقائد التي يظهرها القاساني - مثل وحدة الوجود ومسألة علمه تعالى وإحاطته القيّوميّة ونفي الجبر والتفويض وأمثالها - لا يتمشّى أبدا مع الكلام الأشعري أو المعتزلي أو السلفيّة .
ولو أصرّ المخالف على الكلام في الإمامة - فقط - فمسألة الولاية التي يعتقد بها القاساني وسائر العرفاء وتصريحه بأنّ : « مقدّم القوم والباب الأعظم لمدينة هذا العلم وساقيهم من مشرب الكوثر الذي خصّ به نبيّنا محمّد صلى اللّه عليه وسلّم ، عليّ بن أبي طالب » « ب » لا يبقي مجالا للشكّ في معتقده .
هامش
( أ ) وقعة صفين لنصر بن مزاحم ، تحقيق عبد السلام هارون : 103 .
( ب ) شرح منازل السائرين : آخر باب التوحيد .
ويوجد في بعض الرسائل والأشعار المنسوبة إلى القاساني كلمات قريب من النص في تشيّعه لو تيقّنا بصحّة انتساب هذه الرسائل أو الأشعار :
فمن ذلك ما جاء في رسالة التشريقات ( مجموعة رسائل ومصنّفات : 324 ) ما ترجمته : « اللمعة الأولى في بيان مذهب أهل البيت عليهما السّلام : يسمّى مذهب أهل البيت بمذهب العدل والتوحيد وعلماء هذه الطريقة مشهورون بعلماء العدل والتوحيد ؛ فإنّ منبع نور التوحيد الروح المقدّس النبوي صلى اللّه عليه وسلّم ومعدن العدل نفسه المطهّر على ما يقتضيه الحديث النبوي المشهور : « الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة . . . » وصنف الأنبياء عليهم السّلام قبيل واحد يأخذون التوحيد والعدل كابرا عن كابر على سبيل التوراث ، فإنّ إبراهيم الخليل - صلوات اللّه عليه - قال :إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ[ 6 / 79 ] وقالوا لمحمّد حبيب اللّه صلى اللّه عليه وسلّم :