النفوس وذكر السوابق يوجب حراسة القلب ومشاهدة الحقائق يوجب رعاية الحقوق ، فبالسياسة يصل العبد إلى التصديق وبالحراسة يصل إلى التحقيق وبالرياضة يصل إلى التوفيق وبالرعاية يصل إلى الحقّ جلّ وعلا .
فالسياسة حفظ النفس ومعرفتها والرياضة أدب النفس وتملّكها والحراسة مطالعات برّ اللّه تعالى في الضمائر والرعاية مراعاة حقوق المولى بالسرائر ؛ فالرعاية توجب الوفاء بالعهود والحراسة توجب حفظ الحدود والرياضة الرضاء بالموجود والسياسة توجب الصبر عن المفقود ؛ وهذه الخصال هي جميع ما كلّف اللّه عباده من العبوديّة سرّا وعلانية ، ظاهرا وباطنا .
ثمّ إنّ اللّه تعالى خلق قلب المؤمن ونظّفه من الشرك وأنبت فيه اليقين والتوكّل والإخلاص والخوف والرجاء والمحبّة ؛ ووضع عليه سريرا من التوحيد وبسط على السرير بساطا من الرضا . . . وقال هذه خزانتي في أرضي . . . وأنا ساكن المأوى .
وجعل مع قلب المؤمن سبعة أشياء حتّى عرفه : أول ذلك اللين ، ثمّ التوسّع ، ثمّ الشفاء من المرض ، ثمّ بعده الهداية ثمّ بعد ذلك السكينة والطمأنينة ثمّ بعد ذلك التنوير
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
[ 24 / 35 ] وجعل أضداد تلك الخواصّ في قلوب أعدائه .
والقلوب ثلاثة : قلوب العصاة وقلوب المطيعين وقلوب العارفين . . . يشير بقلبه من تحته إلى الوفاء ومن فوقه إلى الرضاء ومن يمينه إلى العطاء ومن يساره إلى المنى ومن قدّامه إلى اللقاء ومن ورائه إلى البقاء .
وهو أربع منازل : أوّلها سلامة القلب من الشكّ والثاني سلامة القلب من الهوى المضلّ والثالث سلامة القلب من الرياء والعجب والرابع سلامة القلب من ذكر كلّ شيء سوى ذكر اللّه تعالى » .
ثمّ بيّن أن اللّه تعالى جعل في قلب المؤمن سبعة حصون وأربعة نيران ، وقلب العارف يرتع في ثلاث روضات وفي قلبه ثلاثة أنوار ؛ وشرح كل ذلك .
ثمّ قال : « أوّل ما يبدو في قلب من يريد اللّه سعادته نور ، ثم يصير ذلك النور