مخايل السخط والتبرّم من العالم الإسلامي عامة ، وبلاد المشرق خاصة ، أدركنا أن هذه الرسالة من تجليات المشروع الإصلاحي الذي كان يضطلع به ابن ميمون .
أما الإشكال الأول فرفعه رهين بإثبات صحة نسبة الرسالة إلى ابن ميمون ، وهي كالتالي :
1 - نسبها إليه العلماء ، نذكر منهم نجم الدين الغزي « 1 » .
2 - أشار فيها إلى رحلته ، فقد قال : « هكذا رأيت من المغرب الأقصى إلى بلاد العرب - أعني بلاد السلام - وبلاد الحجاز ، إلى بلاد الترك » ، ملمّحا إلى رحلته الطويلة التي فصّلها في الفصل الأول من « رسالة الإخوان من أهل الفقه وحملة القرآن » .
3 - ذكر في الرسالة أنه في سنة 908 ه كان في مدينة برصة من بلاد الترك . وهذا صحيح ، يشهد له أنه أرّخ دخوله إلى هذه المدينة سنة 907 ه « 2 » ، وذكر أنه أقام بها قريبا من خمسة أعوام « 3 » ، أي أنه عاش فيها من سنة 907 ه إلى 912 ه .
4 - ذكر فيها تتلمذه بمدينة فاس على يد الشيخ الفقيه العالم المحدث أبي زيد عبد الرحمن بن سليمان النالي ، الشهير بالحميدي ، مع ذكر تاريخ ذلك ، وهو عينه مذكور في الفصل الأول من « رسالة الإخوان من أهل الفقه وحملة القرآن » .
5 - انسجامها مع الإطار العام الذي يضبط أفكاره ، ويحدد المعالم البارزة لإصلاحه الديني . فقد قالوا فيه : « وكان لا يخالف السنة ، حتى نقل عنه أنه قال :
لو أتاني أبا يزيد بن عثمان لا أعامله إلا بالسنة [ . . . ] وكان قوّالا بالحق ، ولا
هامش
« والأفضل أن يكون الإمام تقيا ورعا زاهدا حسن الصورة والسيرة ، والصوت والسريرة . فمن اجتمعت فيه هذه الصفات فهو المطلوب ، ولكنه عزيز الوجود ، سيما في هذا القرن العاشر ، نعوذ باللّه مما فيه ، ومن شر أنفسنا وشر أهله » ( مقدمة أصول القواعد والأركان : مخطوط محفوظ في الخزانة العامة بالرباط تحت رقم « 1207 د » ، ورقة 46 أ ) . وقال السيوطي :
« . . . فكيف لو رأوا ما أحدثوا في هذا الزمان فيه من الزيادات القبيحة » ( الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع : 33 ) ، وألف الشعراني كتابا في هذا الصدد وسمّاه ب « تنبيه المغترين أواخر القرن العاشر على ما خالفوا فيه سلفهم الطاهر » .
( 1 ) انظر الكواكب السائرة : 1 / 273 و 276 .
( 2 ) انظر الفصل الأول من « رسالة الإخوان من أهل الفقه وحملة القرآن » .
( 3 ) انظر بيان غربة الإسلام : صفحة 6 .