« إن تهلك هذه العصابة لن تعبد » ، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه : « كفاك مناشدتك لربك يا رسول اللّه ، فإنه منجز لك ما وعدك » « 1 » .
فمقام الرسول صلوات اللّه تعالى « 2 » وسلامه عليه المقام الأتم ، لأنه علم مراد اللّه منه في ذلك الوقت الافتقار إلا به ، فقال « 3 » ما قال ، وكان حال أبي بكر رضي اللّه عنه الغنى باللّه ، فلذلك قال ما قال « 4 » .
وقد ظهر « 5 » عليه ؛ صلوات اللّه وسلامه عليه ؛ أثر الافتقار إلى اللّه و « 6 » الغنى باللّه . فأطعم الجيش من صاع إظهارا للغنى باللّه ، ومات صلّى اللّه عليه وسلم « 7 » ودرعه مرهونة عند يهودي إظهارا للافتقار إلى اللّه . وهذا أتمّ .
ومن ههنا تعلم أن مقام العبودية أتم من مقام الحرية .
والعبودية على قسمين : عبودية ملك وقهر ، وعبودية تخصيص ونصر .
فعبودية الملك والقهر هي العبودية العامة ، قال اللّه تعالى :
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ( 93 )
[ مريم : الآية 93 ] .
وأما عبودية التخصيص والنصر ، فلقوله تعالى « 8 » :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
[ الحجر : الآية 42 ] ،
وَاذْكُرْ عَبْدَنا
« 9 » [ ص : الآية 17 ] ،
وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ
[ الأنفال : الآية 41 ] ،
كهيعص ( 1 ) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ( 2 ) إِذْ نادى رَبَّهُ
« 10 » [ مريم : الآيات 1 - 3 ] ،
وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ
[ الجنّ : الآية 19 ] ،
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
[ الإسراء : الآية 1 ] .
والذي يطلب من العبد « 11 » عبودية التخصيص ، وهي أشرف المقامات ، وهي مطلوب اللّه من عباده ، قال اللّه تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 )
هامش
( 1 ) كان ذلك في غزوة بدر ( انظر السيرة النبوية لابن هشام : 2 / 627 ، والفصول في سيرة الرسول لابن كثير : ص 36 ، ومجمع الزوائد للهيثمي : 6 / 75 ) .
( 2 ) ساقطة من ح .
( 3 ) ( الافتقار إلا به فقال ) عوضها في ح : ( الغنى باللّه فلذلك قال ) .
( 4 ) ( وكان حال أبي بكر رضي اللّه عنه الغنى باللّه فلذلك قال ما قال ) ساقطة من ح .
( 5 ) ( قد ظهر ) مطموسة في د .
( 6 ) ساقطة من ح .
( 7 ) ( صلى اللّه عليه وسلم ) ساقطة من ح .
( 8 ) ح : سبحانه .
( 9 )وَاذْكُرْ عَبْدَناساقطة من ح .
( 10 )إِذْ نادى رَبَّهُساقطة من ح .
( 11 ) ح : اللّه .