بهذه النعم العظيمة ، والمنن الجسيمة ، وندبه إليكم بدعوته إياكم لطاعته أكبر من ذكركم له بالذكر عليها إذ لا تطيقون شكر نعمته ، ولهذا قال نبينا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » « 1 » معناه : لا أطيق وكان أعلمهم وأشرفهم وأرفعهم قدرا وأفضلهم . فأظهر عجزه مع كمال علمه ومعرفته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
ثم إن ما بعد توحيده شيء أعظم من الصلاة . ولهذا كانت ثاني قاعدة من قواعد الإسلام بقوله عليه السلام : « بني الإسلام على خمس أن يوحّد اللّه وإقام الصّلاة » « 2 » الحديث . وجعلت تكبيرة افتتاحها اللّه أكبر ، ولم تجعل لغيره من الأسماء كلها . ولا يجوز غير ذلك لقول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « تحريمها التّكبير » « 3 » وكذلك ذكر هذا الاسم في الأذان . وفي كلّ تكبيرة للصلاة ، فذكر هذا الاسم أفضل من جميع العبادات . وأقرب للمناجاة لا للصلاة ولا غيرها من أنواع الطاعات . وقد ورد في الحديث عن اللّه عزّ وجل أنه قال : « أنا جليس من ذكرني » وقال : « أنا عند ظنّ عبدي بي إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني وحده ذكرته وحدي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه » « 4 » قال تعالى :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
[ البقرة : 152 ] ودليل تفضيله على الصلاة من نفس الآية قوله تعالى :
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
[ العنكبوت : 45 ] وإنها كذلك وهي معظم الذكر ولكن ذكر اللّه أكبر منها ومن كل عبادة . لقوله تعالى :
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
ولما روى أبو الدرداء عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : « ألا أخبركم بخير أعمالكم وأرفعها في درجاتكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إعطاء الذّهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ » قالوا : بلى قال : « ذكر اللّه » « 5 » ولقوله عليه السلام في حديث معاذ بن جبل : « ما عمل ابن آدم من عمل أنجى
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في مسنده 6 : 58 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 2 : 71 .
( 2 ) أخرجه مسلم في الإيمان 19 .
( 3 ) ذكره ابن عبد البر في التمهيد 9 : 182 ، والزيلعي في نصب الراية 1 : 307 .
( 4 ) ذكره العجلوني في كشف الخفاء 1 : 232 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 6 : 287 .
( 5 ) أخرجه أحمد في مسنده 5 : 239 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 4 : 188 .