اللّه تعالى وتقربنا منه ، وكذلك العلوم الكونية التي تحقق نفس الغاية والهدف . إلا أن هذه العلوم لا ينتفع بها الإنسان إلا إذا لازمها الخشية من اللّه تعالى ، لأن الخشية مهابة يصحبها تعظيم ، أو خوف يصحبه إجلال ، يدفعان صاحبها للعمل بما علم ، وإذا عمل بما علم أورثه اللّه تعالى علم ما لم يعلم ، وقد امتدح اللّه تعالى العلماء العاملين الذين يخشونه بقوله :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] .
وتحدّث الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه « لطائف المنن » عن العلم الذي تصحبه خشية قائلا : « فشاهد العلم الذي هو مطلوب اللّه تعالى وجود الخشية للّه ، وشاهد الخشية موافقة الأمر » ، ثم تحدّث عن العلم بدون خشية فقال : « أما علم تكون معه الرغبة في الدنيا ، والتملق لأربابها ، وصرف الهمة لاكتسابها ، والجمع والإدخار والاستكثار ، فما أبعد من هذا العلم علمه ، من أين يكون من ورثة الأنبياء ؟ وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي يكون بها عند الموروث عنه ؟ » .
يشير الشيخ الشعراني في الفقرة الأخيرة إلى قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« العلماء ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا إنما ورثوا العلم ، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر » .
ولا شك أن علم الأنبياء تصحبه الخشية ، فيشترط في العالم الوارث أن يحافظ على الصفة التي كان بها هذا العلم عند الأنبياء الموروث عنهم ، لكي ينتفع به وينفع به الآخرين ، ويحصل ثمرته من معرفة اللّه تعالى وقربه ورضاه ، ودخول جنته يوم القيامة ، والنظر إلى وجهه الكريم .
إن العلم النافع الذي صحبته الخشية من اللّه تعالى له علامات يعرف بها ، منها : ما ورد في جواب الإمام الجنيد رحمه اللّه تعالى عندما سأله أحد تلامذته عن هذا العلم قائلا : « والعلم النافع : ما يدل صاحبه على التواضع ، ودوام المجاهدة ، ورعاية السر ، ومراقبة الظاهر ، والخوف من اللّه ، والإعراض عن الدنيا وعن طالبيها ، والتقلل منها ، ومجانبة أربابها ، وترك ما فيها على من فيها من أهلها ، والنصيحة للخلق ، وحسن الخلق معهم ، ومجالسة الفقراء وتعظيم أولياء اللّه تعالى والإقبال على ما يعنيه » .
وأما العلم الذي لم تقارنه الخشية من اللّه تعالى ، فهو وبال على صاحبه ، وفيه هلاكه لما سيجره عليه من ضر وإثم وعقاب ، فهو حجة عليه لا له يوم القيامة ، مصداقا لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« الصدقة برهان ، والصبر ضياء ، والقرآن حجة لك أو عليك ، كل الناس يغدو ، فبائع نفسه أو موبقها »
( رواه مسلم ) وقد استعاذ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من هذا العلم الذي لم تقارنه الخشية بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع »
( رواه ابن حبان ) .