تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
الديني ، فيعرف معنى قوله تعالى :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
[ الحديد : 23 ] والمؤمن إذا أعطاه اللّه تعالى شكر ، فأثابه اللّه تعالى على هذا الشكر ، وإذا منعه صبر ، فأثابه اللّه تعالى على هذا الصبر ، فكل شؤون المؤمن خير ، وهذا هو عين اللطف الإلهي بعباده ، فمتى أعطاهم أشهدهم برّه ، ومتى منع عنهم أشهدهم قهره ، وهو في كل ذلك متعرف إليهم بإشهادهم لطفه تعالى عليهم .

الحكمة الثامنة عشرة « 1 » « نعمتان ما خرج موجود عنهما ، ولا بدّ لكلّ مكوّن منهما : نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد » .

شرح الحكمة : هذه الحكمة تتحدث عن نعمة إيجاد المخلوقات من العدم ، وعن نعمة إمدادها بالوجود ، وقبل الشروع في بيان معناها العام ، أشرح بعض الألفاظ الواردة فيها ، ليسهل علينا بعد ذلك فهمها . إنّ المراد بكلمة ( موجود ) : ممكن الوجود وهو : ما يتصور في العقل وجوده وعدمه ، ويسمى أيضا بالجائز ، أي : يجوز في حقه الوجود والعدم ، ويسمى أيضا بالحادث ، أي : حدث بعد أن لم يكن . والمراد من قوله ( مكوّن ) أي : مخلوق من كون الشيء أي : أحدثه وأوجده . وهي تبين المراد من كلمة موجود الواردة سابقا ، فخرج بها الموجود الواجب كذاته اللّه تعالى وصفاته . أشرع في بيان معنى الحكمة العام فأقول : إن كل ما سوى اللّه تعالى من المخلوقات أصله العدم السابق على الوجود ، قال اللّه تعالى :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ( 1 )
[ الإنسان : 1 ] وقال اللّه تعالى :
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
[ مريم : 9 ] فأول نعمة أنعمها اللّه تعالى على الموجودات هي إخراجها من العدم إلى الوجود فهذه هي نعمة الإيجاد . وأما النعمة الثانية فهي نعمة الإمداد وبيانها : أن الكائنات بعد وجودها من العدم دائمة الافتقار إلى غنى اللّه تعالى ليمدها بالبقاء ، قال اللّه تعالى :
* يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 15 )
[ فاطر : 15 ] وقال اللّه تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا
[ فاطر : 41 ] فالعالم دائم الاحتياج إلى أن يمده اللّه تعالى بأسباب وجوده من المنافع التي تقتضي بقاء صورته ومعناه ، قال الشيخ أبو
هامش
( 1 ) ورقمها ( 97 ) في النص الكامل للحكم .