يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها . فقال : « يا حارثة عرفت فالزم » ثلاثا « 1 » .
أما فيما يتعلق بالفقرة الأخيرة وهي : تحدّثه بكل ما علمه من علوم ، سواء أكانت مادية أم ربانية ، والاستدلال على جهله بتصرفه هذا ، فما ورد في الخبر :
« لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم » .
وقد قيل : « إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا العلماء باللّه ، فإذا أظهروه أنكره أهل الغرة باللّه » وقال سيدنا أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه : « حفظت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم جرابين من العلم :
أما أحدهما فبثثته في الناس ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم » . وللإمام زين العابدين علي بن الحسين رضي اللّه عنه قوله شعرا :
يا ربّ جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحلّ رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا
إني لأكتم من علمي جواهره * كي لا يرى الحقّ ذو جهل فيفتتنا
وقال الإمام الغزالي رحمه اللّه تعالى : قد تضر علوم الحقائق بأقوام كما يتضرر الجعل بالمسك والورد ( والجعل بضم الجيم حشرة الخنفس ) .
فعلى الإنسان العاقل أن لا يجيب عن كل ما يسأل عنه ، وأن لا يخجل من قوله لا أدري ، وأن لا يعبّر عن كل ما يشهده من أسرار وأذواق روحانية ، وأن لا يتحدث بكل ما علمه من معارف ربانية ، لكي لا يكذب من الآخرين ويوصف بالجهل أو بالكفر والزندقة .
الحكمة السادسة عشرة « 2 » « إن أردت أن يكون لك عزّ لا يفنى ، فلا تستعزّنّ بعزّ يفنى » .
شرح الحكمة : إن الإنسان بفطرته يصبو إلى الجاه والعز ، ويحب أن يكون عزيزا بالدنيا ، وإنّ النفس تحث صاحبها على السعي جاهدا في سبيل الوصول إلى هذا العز ونيله ، ولكنها إن كانت أمّارة بالسوء جاهلة بربها محجوبة عنه بظلمات المعاصي
هامش
( 1 ) المعجم الكبير للطبراني 3 / 266 ومصنف ابن أبي شيبة 7 / 226 .
( 2 ) ورقمها ( 86 ) في النص الكامل للحكم .