الحكمة السابعة عشرة « 1 » : « متى أعطاك أشهدك برّه ، ومتى منعك أشهدك قهره ، فهو في كلّ ذلك متعرّف إليك ، ومقبل بوجود لطفه عليك » .
شرح الحكمة : إن النفس البشرية تحب العطاء لأنه يوافق الهوى والطبع ، وتكره المنع لأنه يخالفهما ، لأن العطاء وجود والمنع عدم ، وهي تحب الوجود وتكره العدم ، فمن أعطاها من الخلق شيئا أحبّته لذلك ، ومن منع عنها شيئا سخطت عليه وكرهته ، ولذلك قيل : « جبلت النفوس على حب من أحسن إليها » وذلك شأن العبد مع ربه ، إذا أعطاه فرح وإذا منعه حزن ، مصداقا لقوله تعالى :
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 )
[ الفجر : الآيتان 15 ، 16 ] .
وهذه الحكمة تحدثنا عن العلاقة بين اللّه تعالى وبين عبده في العطاء والمنع ، فهي تبين أن اللّه تعالى إذا أعطى عبدا شيئا فإنه يكون بذلك العطاء يريد أن يشهده برّه ولطفه به وفضله عليه ، وإن منع عنه شيئا بأن حرمه ما يوافق طبعه وهواه ، أو ابتلاه بما يكره ، فإنه يكون بذلك المنع يريد أن يشهد عبده القهر الإلهي ، قال تعالى :
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
[ الأنعام : 18 ] وفي كلتا الحالتين : العطاء والمنع يتعرف العبد على لطف اللّه تعالى به ، قال تعالى :
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة : 216 ] .
فلطف اللّه تعالى لا ينفك عن العبد سواء في العطاء أم في المنع . قال تعالى :
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 )
[ الملك : 14 ] فاللّه تعالى لطيف بعبده خبير بما يصلحه وبما يفسده ، قال الشيخ ابن عطاء اللّه الإسكندري مؤلف هذه الحكم :
« من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره » .
فالحق تعالى يريد من عبده المحسن السالك طريق معرفته : - المسلم والمؤمن والمحسن السائر والسالك على الصراط المستقيم صراط الدين الكامل الموصل إلى معرفة اللّه تعالى - أن يشهد عند العطاء صفاته الجمالية ، من الرحمة والجود والبرّ والكرم والإحسان واللطف وغير ذلك ، وأن يشهد عند المنع صفاته الجلالية ، من القهر والكبرياء والعزة والاستغناء وغير ذلك ، فيصل العبد عند ذلك إلى درجة الكمال
هامش
( 1 ) ورقمها ( 93 ) في النص الكامل للحكم .