ثم إن الحق سبحانه خصّ مظهر هذا الآدمي بخصائص لم تكن لغيره .
منها : أن جعل روحه اللطيفة النورانية في قالب كثيف ، ليتأتى له منه غاية التصريف .
ومنها : أن جعل ذلك القالب في أحسن تقويم ، وأبدع فيه من بدائع حكمته وعجائب صنعه ما يليق بقدرة السميع العليم .
ومنها : أنه جعله حاكما على المظاهر كلها ، مالكا لها بأسرها ، خليفة عن اللّه فيها ، ثم فتح له من فنون العلوم ومخازن الفهوم ما لم يفتحه على غيره مما هو معلوم ، وقال تعالى :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[ البقرة : 30 ] وقال في ذلك الخليفة :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
[ البقرة : 31 ] .
ومنها : أن أعطاه سبحانه وتعالى سبعا من الصفات تشبه صفات المعاني الأزلية ، إلا أنها ضعفت بإحاطة القهرية ، وهي : القدرة ، والعلم ، والحياة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، فحصل له بهذا أنموذج وشبه بالصمدانية الإلهية .
ومنها : أنه سبحانه جعله نسخة الوجود ، يحاكي بصورته كل موجود ، فإن عرف الحق كان الوجود نسخة منه ، إلى بعض هذه المعاني أشار بقوله :
وهذه حقيقة الإنسان * حيث لها أنموذج رباني
قلت ( أي الشيخ ابن عجيبة ) : حقيقة الإنسان هي روحانية ، وهي لطيفة نورانية لاهوتية جبروتية ، ثم احتجبت ببشرية كثيفة ناسوتية ، فسبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية ، وظهر بإظهار الربوبية في مظاهر العبودية .
الأنموذج ، قال في القاموس : والنموذج بالفتح : الشبه . . . وهذا الشبه الذي حازه الإنسان دون غيره هو اتصافه بشبه أوصله إلى الحق سبحانه ، حيث جعل اللّه فيه : قدرة ، وإرادة ، وعلما ، وحياة ، وسمعا ، وبصرا ، وكلاما ، وجعله نسخة من الوجود بأسره ، وخليفة عن اللّه في حكمه ، يتصرف في الأشياء باختياره في ظاهر أمره ، ولذلك ورد في الحديث : « خلق اللّه آدم على صورته » ، وفي رواية « على صورة الرحمن » . ومعناه خلق آدم وأعطاه من الصفات ما يشبه صفات الرحمن ، وهي صفات المعاني والمعنوية ، وخصه أيضا فجعله خزانة لسائر أسمائه ، ففي الآدمي تسعة وتسعون اسما ، كلها كامنة في سره ، ثم يظهر على ظاهره ما سبق له في علم الغيب ، فالبعض يظهر عليه اسمه الكريم ، والبعض اسمه الرحيم ، والبعض اسمه الحليم ، والبعض اسمه المنتقم ، والبعض اسمه المتكبر ، والبعض اسمه القهّار ، والبعض اسمه