مغشيا عليه ، ثم جئت به إلى ثالث فقال ادخلوا إن لم تشغلونا عن ربنا فدخلنا ، فقرأت عليه
( ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ )
الآيات فوقع مغشيا عليه ، فأدرته على ستة رجال كل واحد نخرج ونتركه مغشيا عليه . ثم أتينا إلى السابع فدخلنا على شيخ فان وهو في مصلاه ، فسلمنا فلم يشعر بسلامنا ، فقلت بصوت عال : إن للخلائق غدا مقاما .
فصاح بين يدىّ وبقي مبهوتا فاتحا فاه يصيح بصوت ضعيف . فخرجنا وتركناه ، ثم بعد ذلك سألت عن أحوالهم ، فقيل لي : مات منهم ثلاثة وبقي الشيخ على حاله ثلاثة أيام ثم أفاق .
وسمع يحيى البكاء رجلا يقرأ
( وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ )
فصاح صيحة مرض منها أربعة أشهر يعاد من أطراف البصرة .
واعلم أن الخائفين على مراتب : فخوف العارفين خوف إجلال وتعظيم ، لما غلب على قلوبهم من ذكر جلال اللّه تعالى وعظمته من غير فكرة في شئ من أفعاله ، وهذا خوف الأنبياء والملائكة وخواصّ الأولياء ، وأما خوف أكثر المؤمنين فيذكروا الوعد والوعيد وأهوال القيامة ، مع فكرتهم في الجنايات والتفريط ، واتهامهم لنفوسهم أن يكون فيها من الآفات الباطنة ما يربى على المعاصي الظاهرة ، كالعجب والرياء والحسد والكبر ونحوها ، وأشد ما يهيج خوف هؤلاء ويزعج قلوبهم خوف السابقة الخاتمة ، إذ العبد لا يدرى هل سبق له في علم اللّه تعالى السعادة أو الشقاوة .
والخاتمة تجرى على ما جرت به السابقة ، فمن سبق له في علم اللّه تعالى السعادة ختم له بخاتمة الإيمان ، ومن سبق له في علم اللّه تعالى الشقاوة ختم له بخاتمة الخذلان ، قال اللّه عز وجل
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ )
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يصبح الرّجل مؤمنا ويمسى كافرا ، ويمسى مؤمنا ويصبح كافرا » .
وأكثر ما يمكر عند الموت بأرباب البدع وأصحاب الآفات الباطنة والظلمة المجاهرين بالمعاصي ، فإن كان في ظاهره الصلاح ومكر به فلآفات باطنة .