علوّا وسفلا وبها يوصل إليها ويستدلّ عليها : [ من الخفيف ]
ما بدا فهو وجهه * والذي غاب أعظم
هو لا شكّ ظاهر * فهو باد مكتّم
لا تقل كيف لي به * فبه عنه تفهم
[ عند فناء العبد وذهابه عن نفسه يشهد ربّه كان اللّه ولا شيء معه ]
فصل : واعلم أن الحقّ تعالى تجلّى لعباده في كل شيء فهم يشهدونه في كل مشهود ، ويطالعونه مع كلّ موجود ، وذلك عند فناء ذواتهم في مشاهدة ذاته ، لا بمعنى الحلول الذي هو من صفات المحدثات ، فعند فناء العبد وذهابه عن نفسه يشهد ربّه كان اللّه ولا شيء معه ، وهو الآن على ما عليه كان . وعلى هذا يحمل سائر إطلاقات المحبّين إذا غلبت عليهم صفات الإنس وسكر الأحوال ، لا على معنى الحلول اللائق بالأجسام ، كما قال الحلاج : [ من الرمل ] :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا * ليس في الكون سوى من هو أنا
أو كما قال بعض العارفين من مشايخ الصوفية : [ من الوافر ]
أنا القرآن والسبع المثاني * وروح الروح لا روح الأواني
فؤادي عند مولاي مقيم * يناجيه وعندكم لساني
فلا تنظر بطرفك نحو جسمي * وعدّي عن تلقّيك المغاني
وغص في بحر ذات الذات تبصر * عجائب ما تبدّت للعيان
وأسرارا مهيمنة حسانا * مستّرة بأرواح المعاني
فمن فهم الإشارة فليصنها * وإلا سوف يقتل بالسّنان
كحلّاج المحبّة إذ تبدّت * له شمس الحقيقة بالتّداني
فقال أنا هو الحقّ الذي لا * يغيّر ذاته مرّ الزّمان « 1 »
فهذه أحوال السالكين ومقاماتهم من حيث الجملة ، ونحن نورد منها طرفا على معنى التفصيل والشرح ننبّه فيها على ذوقهم ، ونستدلّ على شرف منازلهم بقدر ما يليق بهذا الكتاب ، فبنينا فيه القول على الاختصار والإيجاز .
هامش
( 1 ) خمّس هذه الأبيات الشيخ أبو الحسن علي بن عبد اللّه النميري الششتري الأندلسي ، الذي ولد في جنوب الأندلس سنة 610 ه ، وتوفي في مصر في بعض نواحي دمياط سنة 668 ه .