قوله : ( فما يقوم عليّ دليله ، ولا يصح إليّ سبيله ) .
قلت : معناه أن أدلة الباطن هي المتعرفات بالعقل ، وهو معقول عن إدراك أحدية الجمع ، فأدلة العقل لا تدركه ولا يصح سبيلها إليه ، وسبيلها التعرف في المقولات العشر بالكليات الخمس ، وجميع تعرفات العقول لا تتجاوز ذلك ، والكليات الخمس ، والمقولات العشر مأخوذة من تشبيه خفي في الأشخاص ، وهي إما أن تكون شيئا البتة أو تتأخر تأخرا كثيرا عن الأشخاص ، والأشخاص وجميع ما يترتب عليها هو من عالم الخلق ، وعالم الخلق لا يدرك عالم الأمر فضلا عن أن يدرك الحقيقة إذ الخلق هو الأمر له ، ومقام له دون مقامه هو . قال تعالى :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
[ الأعراف : الآية 54 ] .
قوله : ( وقال لي : أنا أقرب إلى كل شيء من معرفته بنفسه ) .
قلت : معناه أن الحق تعالى إلى أن يعرفه العارف أقرب إليه من أن يعرف نفسه ، ولذلك قيل : « من عرف نفسه فقد عرف به » « 1 » يعني أن معرفته بربه تتقدم معرفته بنفسه ، وهي سبب معرفته بنفسه ، فإنه لا يعرف شيء إلا باللّه ، ولا يعرف اللّه بشيء ، هكذا هو الأمر عند أهل الشهود .
قوله : ( فما تجاوزه إليّ معرفته ) .
قلت : يعني أن معرفته التي منه في عالم خلقيته لا تتجاوزه ؛ إذ هو مخلوق ، وهي معرفة خلقية فلا تتجاوز مقامها وهو طور ذلك العارف الذي معرفته من طور خلقي .
قوله : ( ولا يعرفني أين تعرفت إليه نفسه ) .
قلت : معناه أنه ما دام يشهد أن نفسه ثابتة ، وأنه لا يمكن معرفة ربه ، وبالجملة ما دام يحس بنفسه ، فإنه لا يعرف ربه ، وهو المراد بقوله : « تعرفت إليه نفسه » ، وهذا معنى قولهم : « وإنما يتعين الحق عند اضمحلال الرسم » وهو الفناء « 2 » الذي يذكرونه في كلامهم .
هامش
( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2532 ) [ 2 / 343 ] والهروي في المصنوع [ 1 / 347 ] .
( 2 ) أي مقام الفناء الذي يمرّ به السالك إلى اللّه تعالى ويتحقق فيه بقوله تعالى :كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ( 26 ) [ الرّحمن : الآية 26 ] ، وبقوله تعالى :فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ[ البقرة : الآية 115 ] ، وقوله تعالى : -