[ درجات الهمة ]
وهي على ثلاث درجات :
[ الدّرجة الأولى همّة تصون القلب عن وحشة الرّغبة في الفاني ]
الدّرجة الأولى :
همّة تصون القلب عن وحشة الرّغبة في الفاني ، وتحمله على الرّغبة في الباقي ، وتصفّيه من كدر التّواني .
( 1 ) قوله : تصون القلب من وحشة الرّغبة في الفاني ، أي تزهّده في الدّنيا وما فيها ، إذ ليس في الدّنيا شيء إلّا وهو يفنى ، وسمّى الرّغبة في الفاني وحشة استعارة ، لأنّ الدّنيا وما فيها توحش قلوب المشتغلين بها ، أو لأنّ أهل الزّهد فيها يرونها موحشة قبيحة ، لأنّهم ينظرون إليها ببصائرهم لا بأبصارهم ، وما أحسن قول القائل فيما يناسب هذا المعنى :
وإذا أفاق القلب واندمل الهوى * رأت القلوب ولم تر الأبصار
قوله : وتحمله على الرّغبة في الباقي ، أي وتحمله هذه الهمّة العالية على الرّغبة في الباقي هو الحقّ تعالى لا شريك له ، وبقاء الآخرة إنّما هو بإبقائه ، وليس لها من ذاتها بقاء ، إذ هي ممكنة ، وإنّما بقاؤها بالباقي عزّ وجلّ .
قوله : وتصفية من كدر التّواني ، هو الإهمال والتّفريط ، وتأخير الفرض حتّى يفوت ، واشتقاقها من الونى ، تقول : ونى يني ، إذا فتر أو قصّر بتعب أو غيره ، وسمّى التّواني كدرا استعارة . ، لأنّ النّشاط في طلب المقصود يصفو به القلب ، والتّواني يتكدّر به القلب .
[ الدّرجة الثانية همّة تورث أنفة من المبالاة بالعلل ، والنّزول على العمل ، والثّقة بالأمل . ]
الدّرجة الثانية :
همّة تورث أنفة من المبالاة بالعلل ، والنّزول على العمل ، والثّقة بالأمل .
( 2 ) قوله : تورث أنفة من المبالاة بالعلل ، أو يبالي بما يفوته من مصالح أحوالها ، والمقصود / بالعلل هنا النّظر إلى ثمرات الأعمال ، فإنّها عندهم