بالتّحقيق غير المعنى المحقّق له ، فيكون يحسب ما رآه الشيخ رضي اللّه عنه ، وأمّا على حكم قلته أنا ، فهو دونه ، وذلك يدلّ على أنّ الشيخ خالف عادته ، فإنّه دائما يقدّم ذكر الأنقص ، ثمّ يترقّى منه إلى ما فوقه ، وإنّما قلنا : إنّ حال ما يذاق به حلاوة المناجاة دون الحال التي يشاهد بها شواهد التّحقيق ، لأنّ التّحقيق هو حكم الحقيقة ، والحقيقة وصف الحقّ ، والحقّ هو الآنية التي تنسب إليها الأسماء والصّفات ، لأنّ لفظ الحقّ هنا ليس في مقابلة لفظ الباطل ، بل هو بمعنى منزّه عن المقابل .
/ وأمّا الحال المستندة إلى وارد يذاق به حلاوة المناجاة ، هو من حضرة اسم واحد ، وهو اسمه الودود تبارك وتعالى ، ونسبة الودود إلى الحقّ كنسبة الاسم إلى المسمّى ، والوصف إلى الموصوف ، والمناجاة هي المفاعلة من النّجوى ، وهو الخطاب سرّا ، أي في سرّ العبد .
قوله : وينسى به الكون ، أي ينسى الكون بما يغلب على القلب من هذه الحال المذكورة ، والمراد بالكون هنا المخلوقات ، فكأنّه قال :
يشتغل بالحقّ عن المخلوقات .
[ الدّرجة الثالثة صفاء اتّصال يدرج حظّ العبوديّة في حقّ الربوبيّة ]
الدّرجة الثالثة :
صفاء اتّصال يدرج حظّ العبوديّة في حقّ الربوبيّة ، ويغرق نهايات الخبر في بدايات العيان ، ويطوي خسّة التكاليف في عين الأزل .
( 1 ) الصفاء قد عرفته ، والاتّصال هو اتّصال العبد بربّه عزّ وجلّ ، فإنّ العبيد من أفعال اللّه تعالى ، وأفعال اللّه تعالى من صفاته ، وصفاته من ذاته المقدّسة .