« كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » ، وإذا صحّ هذا في السّمع والبصر ، فصحّته في الرّوح وفي قوّتها أولى .
وهذا النّور الأزليّ إنّما يشهده العبد بنور أزليّ أيضا موهوب للعبد من جانب الربّ ، فلا يشهد الأزل إلّا الأزل ، ومن هنا غلط من قال : أنا من أهل الشّطح ، لأنّه ظنّ أنّ النّور الموهوب له هو منه ، ولم يعلم أنّ أنانيته عدميّة ، وشهود لمع النّور الأزليّ ليس ممّا يحكى فتشرح كيفيّته .
قوله : أو سماع نداء أوّليّ ، يعني تستفيق الرّوح بسماع نداء أوّليّ ، يعني بالنّداء تعرّف الحقّ تعالى إلى قلب عبده ، واستجذابه إيّاه بواسطة خطاب خال من تجلّ ، لا حرف فيه ولا صوت ، وإشارته إلى أنّه أوّليّ ، أنّه من الاسم الأوّل ، ومعناه ما يبدو للقلب من معاني الأوّليّة قبل أن تبدو الباديات ، وتحدو الحاديات .
قوله : أو جذب حقيقيّ ، يعني كشفا جليّا ، خصوصا إن كان عن تجلّ ذاتيّ ، وإنّما عيّن الحقيقيّ لأنّ بعض التعرّفات تكون من أطوار نازلة .
قوله : إن أبقى على صاحبه لباسه ، يعني بلباسه تحقّق مقامه ، فإنّ المراد باللّباس هنا ليس هو لباس الثّياب ، بل لباس الصّورة اللّازمة ، فإنّ صورة الإنسان هي ثوبه الذي هو لبسه الحقيقيّ ، وحصول هذا المعنى للعبد هو بانتفاء رسومه في شهوده ، فيقوم النّور عنه بأوصافه ، وذلك معنى يحتاج إلى بسط ، ولا يفهم مع وجود البسط إلّا مع وجود مشاركة في وجود ، وعلامة لباس هذا المقام ، هو أن يجيب عنه متى سئل عن غير فكر .
منازل السائرين ( شرح التلمساني ) — صفحة 426
مساهمون: عبد الحفيظ منصور
ص٤٢٦