ولا أن يوصل إليها هذه النّعم الظّاهرة والباطنة ، ثمّ إنّه تبارك وتعالى فعل ذلك منّة منه وفضلا ابتداء ، فهذا هو النّظر في مبادئ المنن ، وهو أحد ما يدرك به لطائف الصّنعة .
الثاني ، قوله : وبالإجابة لدواعي الإشارات ، أي إذا نظر في مبادئ المنن فأدرك لطائف الصّنعة رآها إشارات دالّات على وجوب حقّ اللّه تعالى على عباده ، وتلك الإشارات دائما تدعو إلى طاعة ربّها تبارك وتعالى ، فإذا أجاب العبد دواعيها أطاع اللّه تعالى واتّقاه ، قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
« 7 » ، أي نورا تفرّقون به بين الحقّ والباطل ، فإذا بإجابة دواعي الإشارات يحصل الفرقان ، وبالفرقان يقوى إدراك ما غاب من لطائف الصّنعة ، وهذا هو القسم الثاني .
الثالث ، قوله : وبالخلاص من رقّ إتيان الشّهوات ، هو فعل الشّهوات ، ومعنى هذا الكلام ، أنّ من لم يشغله حبّ الشّهوات الّتي زيّنت للنّاس حتّى ملكت رقّهم ، بل أعرض عنها حتّى صار حرّا ، أمكنه أن يتفرّغ لإدراك لطائف صنعة اللّه تعالى ، لأنّه بذلك يصفو وقته ، وينجمع خاطره ، ويستنير قلبه لأجل مفارقته لظلمة الشّهوات ، وملازمته لأنوار المجاهدات ، فبهذا أيضا ( يحصل ) « 8 » إدراك لطائف الصّنعة .
فصحّ أنّ بهذه الثلاثة أشياء تدرك لطائف الصّنعة .
وإنّما يوقف بالفكرة على مراتب الأعمال والأحوال بثلاثة أشياء :
باستصحاب العلم . وإبهام المرسومات . ومعرفة مواقع العبر .
( 1 ) الوقوف على الشيء هو معرفته ، فمعرفته الأعمال هي باستصحاب العلم ، لأنّ العمل لا يعرف إلّا بالعلم ، ومعرفة الأحوال هي بإبهام
هامش
( 7 ) الآية 29 سورة الأنفال .
( 8 ) ساقطة من ( ب ) .