وذلك أنّ الإنسان إنّما خلق فقيرا بالذّات لما يقتضي المرتبة الإمكانيّة ، ولهذا قال من قال : الإنسان لا يكون وجيها عند اللّه ، لأنّ الافتقار هو عين الذّلّة ، والذّليل لا يكون وجيها ، هذا حكم إنسان الحيوان .
وأمّا للكامل من هذا النّوع وجهان :
[ الأوّل ] : وجه الافتقار بالحقّ إلى الحقّ .
[ الثّاني ] : ووجه الغنى إلى الكون .
فافتقاره إلى الحقّ هو غناء به ، ولا يفتخر إلّا بوصوله إلى هذا الغناء ، فافتقار العارف عين افتخاره ، فإنّه حاز المقام الأرفع ، لشهوده سريان الهويّة الإلهيّة في أعيان مراتب العالم ، فلا يتوجّه الفقر من كلّ فقير إلّا إلى الغنيّ الحميد ، ولا تغيب حاجة المحتاج عن إحاطة البصير الشّهيد ، فالعارف المستغنيّ بالحقّ أغنى الأغنياء ، مع أنّه يحزن ويحرص على طلب مئونة من كلّف به « 1 » ، فإنّ ذلك من آداب الكمّل ، لقوّة معرفتهم بحدود اللّه ، والكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه .
وأمّا غناء الحقّ عن العالمين من حيث ذاته المقدّسة ودوام إطلاقه الحقيقيّ لا يظهر إلّا بهم ، لأنّ كونه غنيّا إنّما هو غناه عنهم ، فإن لم يكن العالمون هناك فعن من ، فلا بدّ منهم لثبوت الغناء نعتا له .
هامش
( 1 ) - ص : ما كلف به .