وطالب الدّليل على صحّة وجدان أهل الطّريقة كطالب الدّليل على حلاوة العسل ولذّة الجماع مع العنت « 1 » ، وهذا شيء لا يقوم عليه الدّليل « 2 » إلّا الذّوق ، وفيما جرى بين الخضر وموسى عليهما السّلام تبصرة لأولي الأبصار .
فالوصول إلى معرفة الذّات المتعالية لا يمكن للعقل من حيث النّظر ، فإنّ العلم باللّه من حيث النّظر لا يزيد النّاظر إلّا الحيرة ، وإنّما يعلم بإعلام الحقّ على الوجه الّذي يليق بجلاله لمن اختصّه من عباده .
فمن قال : إنّ الحقّ - جلّت عظمته - يعرف بالدّليل فإنّه يضرب في حديد بارد ، ومن هذا قال من قال : « العلم حجاب » يريد به العلم النّظريّ .
فأهل اللّه علموا الحقّ بإعلامه تعالى ، لكون الحقّ علّمهم ، كما كان سمعهم وبصرهم .
ومثل هؤلاء لو تصوّر منهم نظر فكريّ لكان الحقّ عين فكرهم ، لكن لا يتصوّر « 3 » ، فمن يكون مشهده هذا أنّى يكون له فكر ، بل هو مع الفهم عن ضروب إلهام الحقّ من غير تفكّر ، لاستهلاك صفاته في صفات الحقّ ، ومن كان فهمه عن تفكّر « 4 » فما هو من أهل الذّوق ؛ جعلنا اللّه ممّن ذاق لذّة الوصال ، وفاز بالتّعرّض لنفحات لطفه في الغدوّ والآصال .
هامش
( 1 ) - أي : الجماع المحرّم ، كما قال تعالى في سورة النساء ( 4 ) : الآية 25 :ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ.
( 2 ) - ص : وهذا الشيء لا يقوم عليه دليل .
( 3 ) - ص : لا يتصور ممن يكون مشهده هذا أن يكون له فكر .
( 4 ) - ص : تفكر ناشبة فما هو .