تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
لكنّ العلم - من حيث هو علم - مجرّد مطلق عن قيد إضافته إلى شيء لا حكم له ، ومن حيث إضافته - مطلق الإضافة - له أحكام شتّى تنحصر في حكمين : أحدهما : هو من حيث إضافته إلى الحقّ ، وله أوصاف كثيرة ، كالقدم والحيطة وغيرهما . والثاني : من حيث إضافته إلى الممكنات ، فالنعمة الكلّيّة المختصّة بالممكنات من جهة علم الحقّ هي مطلق اختياره سبحانه لعبده ما فيه الخير ، والخيرة له في كلّ حال يتلبّس به ، أو مقام يحلّه أو يمرّ عليه ، أو نشأة تظهر بها نفسه وموطن يتعيّن فيه النشأة ، وزمان يحويه من حيث تقيّده به ودخوله في دائرته ، ومكان يستقرّ فيه من حيث ما هو متحيّر ، وأوّل كلّ ذلك ومبدؤه هو من حال تعلّق الإرادة الإلهيّة بإظهار تخصيصه الثابت أزلا في علم الحقّ ، ثم اتّصال حكم القدرة به لإبرازه في التطوّرات الوجوديّة ، وإمراره على المراتب الإلهيّة والكونيّة ، وله في كلّ عالم وحضرة يمرّ عليه صورة تناسبه من حيث ذلك العالم والحضرة ، وحال تخصّه بحسب ما ذكرنا أيضا ، ووديعة يأخذها هي من جملة النعم . وحظّه من النعم الذاتيّة والأسمائيّة يتفاوت بحسب استعداده وحظّه من نعمة حسن الخلق والتسوية والتعديل والتهمّم به بموجب المحبّة الذاتيّة التي لا سبب لها أيضا حال التصوير . فكم [ فرق ] بين من باشر الحقّ تسويته وتعديله ، وجمع له بين يديه المقدّستين ، ثم نفخ بنفسه فيه من روحه نفخا استلزم معرفته « 1 » الأسماء كلّها وسجود الملائكة له أجمعين ، وإجلاسه على مرتبة النيابة عنه في الكون ، وبين من خلقه بيده الواحدة أو بواسطة ما شاء ، ولم يقبل من حكمي التسوية والتعديل ما قبله من اختير للنيابة . وكون الملك هو الذي ينفخ فيه الروح بالإذن - كما ورد في الشريعة عنه صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « يجمع خلق أحدكم في بطن أمّه أربعين يوما نطفة ، ثم أربعين يوما علقة ، ثم أربعين يوما مضغة ، ثم يؤمر الملك ، فينفخ فيه الروح ويقول : يا ربّ أذكر أم أنثى ؟ أشقيّ أم سعيد ؟ ما رزقه ؟ ما أجله ؟ ما عمله » « 2 » ؟ فالحقّ يملي والملك يكتب أو كما قال صلّى اللّه عليه وآله : « فأين هذا من قوله :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ *
» « 3 » ؟ شتّان بينهما ؛ هنا أضاف
هامش
( 1 ) . ق ، ه : معرفة . ( 2 ) . جامع المسانيد ، ج 27 ، ص 105 . ( 3 ) . الحجر ( 15 ) الآية 29 .