تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
الروحاني ، ومنقهرا تحت سلطنة النزعات والتسويلات الخياليّة الشيطانيّة ، فلا نعمة في حقّه وبالنسبة إليه أعظم وأتمّ من نعمة النور العلمي اليقيني الكاشف له عن جليّة الأمر ، والمخلص له من ورطة ذلك الشرّ ، فتلك عافية روحانيّة لا تضاهيها عافية ؛ لأنّ العافية الجسمانيّة - وسيّما عقيب المرض - يجد الإنسان لها حلاوة لا يقدّر قدرها ، فما الظنّ بالعافية الروحانيّة ، التي هي أشرف وأدوم وأثبت وأقرب إلى الاعتدال الحقيقي الأصلي وأقوم ، وبها نيطت السعادة في عالم الغيب والشهادة ؟ فافهم . وأمّا القسم الآخر من النعم المختصّ بالعمل وظاهر الإنسان فإنّه يثمر المنازل الجنانيّة واللذّات الجسمانيّة والراحات والفوائد الطبيعيّة النفسانيّة عاجلا غير مصفّى ، وآجلا خالصا مصفّى ، كما نبّه الحقّ سبحانه على ذلك بقوله :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ
« 1 » يعني هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ممزوجة بالغصص والعلل والأنكاد ، وهي لهم في الآخرة طاهرة طيّبة مخلصة من الشوائب ، ولهذا أرشد الحقّ سبحانه عباده وعلّمهم أن يطلبوا منه الهداية إلى الصراط المستقيم ، الذي هو صراط من أنعم عليه الإنعام الخالص من شوب الغضب ومحنة الضلالة « 2 » ، فلسان مقامهم يقول : يا ربّنا رحمانيّتك الأولى العامّة الشاملة قضت بإيجادنا ، ورحيميّتك الأولى - يعنون اللتين في البسملة - خصّصتنا بهذه الحصص الوجوديّة ، المختصّة بكلّ واحد منّا ، كلّ ذلك من حيث نعمتك الذاتيّة ورحمتك الامتنانيّة ، ورحمانيّتك الثانية - التي أوجبتها على نفسك بكرمك من حيث عموم حكم اسمك « الهادي » عمّتنا معشر المؤمنين ، كما أشرت إلى ذلك بقولك :
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
، فلمّا شملتنا بنعمة الإيمان والانقياد لأمرك والاستسلام لحكمك والإقرار بتوحيدك انبرى كلّ منّا يذكرك ويثني عليك ، ويمجّدك ويفوّض إليك ، ويفرّدك بالعبادة بعد إقراره لك بالسيادة ، ويطلب منك العون بصورة الإبانة عن صفة العجز ونقص الكون ، ثم إنّه لمّا خصّصتنا برحيميّتك الثانية بالحكم الخاصّ من أحكام اسمك « الهادي » المقتضي طلب
هامش
( 1 ) . الأعراف ( 7 ) الآية 32 . ( 2 ) . ق : الضلال .