تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
وأصحّهم تصوّرا لما يذكر من هذه الشأن أتمّهم قربا من الطبقة الأولى ، ولهم الجمع بين التنزيه المنبّه عليه في سورة الإخلاص ، وفي
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وبين تشبيه : « ينزل ربّنا إلى السماء الدنيا كلّ ليلة » « 1 » و « يسكن جنّة عدن في دار له فيها » ويتحوّل في الصور يوم القيامة ، وينزل مع ملائكة السماء السابعة فيستوي على عرش الفصل والقضاء ، ويراه السعداء ، ويسمعون كلامه كفاحا ، ليس بينه وبينهم ترجمان فيثبت كلّ ذلك للحقّ كما أخبر به عن نفسه ، وبحسب ما ينبغي لجلاله ، في مرتبة ظاهريّته ، لأنّ كلّ هذا من شؤون الاسم « الظاهر » كما أنّ التنزيه متعلّقه الاسم « الباطن » . ولحقيقة سبحانه المسمّاة بالهويّة الجمع بين الظاهر والباطن كما نبّه على ذلك بقوله :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
« 2 » ، فعيّن مقام الهويّة « 3 » في الوسط بين الأوّليّة والآخريّة ، والظاهريّة والباطنيّة ، وكذلك نبّهنا سبحانه فيما شرع لنا من التوجّه إلى الكعبة بعد التوجّه إلى بيت المقدس على سرّ ما أشرنا إليه بقوله :
قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
« 4 » ؛ أي بين المشرق والمغرب ؛ لأنّه أردف ذلك بقوله :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
؛ « 5 » أي كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب . ولمّا كان المشرق للظهور والمغرب للبطون والوسط للهو « 6 » كما بيّنّا ، كان صاحب الوسط له العدل والاستقامة المحقّقة ، وأمّا قوله :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
« 7 » ، فهو تنبيه منه سبحانه على سرّ الحيطة والمعيّة الذاتيّة والإطلاق ، ويظهر حكم ذلك في الحائر الذي لم يتحقّق جهة القبلة ، وفيمن يتوجّه إلى القبلة من جهة المغرب أو المشرق كأنّ أحدهما متوجّه إلى المغرب - وإن كان قصده استقبال القبلة من جهة المغرب - والآخر بالعكس كأنّه متوجّه إلى المشرق ، وفيمن ينتقل على راحلته ؛ فإنّه يصلّي حيث توجّهت به راحلته كما ثبت ذلك عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وفي المصلّي في نفس الكعبة لا يتعيّن بجهة معيّنة هكذا « 8 » حال من عاين محتد الجهات وارتقى عنها إلى حيث لا « أين » ولا « حيث » ولا « إلى » ؛ لأنّه حصل
هامش
( 1 ) . طبقات الشافعية ، ج 9 ، ص 81 . ( 2 ) . الحديد ( 57 ) الآية 3 . ( 3 ) . ق : الهو . ( 4 ) . البقرة ( 2 ) الآية 142 . ( 5 ) . البقرة ( 2 ) الآية 143 . ( 6 ) . ق : للوسط الهو . ( 7 ) . البقرة ( 2 ) الآية 115 . ( 8 ) . في بعض النسخ : هكذا من .
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 266 | أبي المعالي القونوي / سيد جلال الدين آشتياني