عندي قوّة على تحصيل مطالبي ، لكنّي غير متيقّن « 1 » ولا جازم أنّها وافية بتحصيل الغرض ، فلا مندوحة عن معاونة منك لما عندي من التمكّن ؛ لأنّ المعونة منك إذا اتّحدت بما عندي من القوّة ، رجوت الفوز بالبغية « 2 » ، والوفاء بحقّ العبادة ، وإنّي شاكرك على ما منحتني من القوّة ، وجدت بها عليّ ابتداء دون سؤال منّي ، وبها تمكّنت من طلب العون منك ، رجاء القيام بحقّك ، والانفراد لك دون تردّد فيك ، و « 3 » تعرّض إلى غيرك . هذا لسان مرتبة العبد .
وأمّا لسان الربوبيّة المستبطنة في ذلك من كون الحقّ أنزل هذا على عباده ، وأمرهم بعبادته على هذا الوجه ، فهو أنّه سبحانه لمّا علم أنّ القلوب وإن كانت مفطورة على معرفته والعبادة له واللجأ إليه ، فإنّ الشواغل والغفلات التي هي من خصائص هذه النشأة تذهل الإنسان في بعض الأوقات عن تذكّر ما يجب تذكّره واستحضاره ، فاحتاج إلى التذكير وتعيين ما الأولى له الدؤوب عليه ؛ لأنّ ما لا يتعيّن لا يثمر ولا يؤثّر ، لا جرم أمره تعالى أن يقول بعد تقديم الثناء عليه :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
تذكيرا له أنّ الذي تجده من العلم والقوّة وغيرهما ، لا تظنّنّ أنّك فيه مستقلّ ، أو لك بشيء من الكمالات اختصاص ، بل ذلك كلّه منّي ولي ،
كما قال الكامل المكمّل صلّى اللّه عليه وآله : « إنّما نحن به وله »
، فالمرتبة الربانيّة تعرّف العبد بتعذّر الاستقلال في الطرفين ، وهذا من غاية العدل حيث ينبّهك الحقّ ذو الجود والفضل والإحسان والنعم التي لا تحصى ، على ما لك من المدخل في تكميل صورة إحسانه ، ويعتدّ لك بذلك ، ويعتبره ولا يهمله ؛ كما قال سبحانه معرّفا منبّها :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها
« 4 » وهذا من التضعيف ، ثم قال
وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً
« 5 » ، فافهم ، ترشد ، - إن شاء اللّه تعالى -
هامش
( 1 ) . ق : مستغن .
( 2 ) . ق : بالغيبة .
( 3 ) . ق ، ه : أو .
( 4 ) . النساء ( 4 ) الآية 40 .
( 5 ) . النساء ( 4 ) الآية 40 .