وبحسب قبول ذاته إضافة تلك الصفة إليها ، والحقّ سبحانه وإن لم يدرك كنه حقيقته ، فإنّه قد علم بما علّم وأخبر وفهّم أنّ إضافة ما تصحّ نسبته إليه من النعوت والصفات لا تكون على نحو نسبتها إلى غيره ؛ لأنّ ما سواه ممكن ، وكلّ ممكن فمنسحب عليه حكم الإمكان ولوازمه ، كالافتقار والقيد والنقص ونحو ذلك وهو سبحانه من حيث حقيقته مغاير لكلّ الممكنات
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
« 1 » فإضافة النعوت والصفات إليه إنّما تكون على الوجه المطلق الكلي الإحاطي الكامل .
ولا شكّ أنّ العلم من أجلّ النسب والصفات ، فإضافته ونسبته إلى الحقّ إنّما تكون على أتمّ وجه وأكمله وأعلاه ، فلا جرم شهدت الفطر بنور الإيمان ، والعقول السليمة بنور البرهان ، والقلوب والأرواح بأنوار المشاهدة والعيان بأنّه لا يعزب عن علمه علم عالم ، ولا تأويل متأوّل ، ولا فهم فاهم ؛ لإحاطة علمه بكلّ شيء كما أخبر وعلّم .
وكلامه أيضا صفة من صفاته أو نسبة من نسب علمه على الخلاف المعلوم في ذلك بين أهل الأفكار ، لا بين المحقّقين من أهل الأذواق . والقرآن العزيز هو صورة تلك الصفة ، أو النسبة العلميّة - كيف قلت - فله الإحاطة أيضا كما نبّه على ذلك بقوله تعالى :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
« 2 » وبقوله أيضا :
وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
« 3 » فما من كلمة من كلمات القرآن ممّا يكون لها في اللسان عدّة معان إلّا وكلّها مقصودة للحقّ ، ولا يتكلّم متكلّم في كلام الحقّ بأمر يقتضيه اللسان الذي نزل به ، ولا تقدح فيه الأصول الشرعيّة المحقّقة ، إلّا وذلك الأمر حقّ ومراد للّه ، فإمّا بالنسبة إلى الشخص المتكلّم ، وإمّا بالنسبة إليه وإلى من يشاركه في المقام والذوق والفهم .
ثم كون « 4 » بعض معاني الكلمات في بعض الآيات والسور يكون أليق بذلك الموضع وأنسب لأمور مشروحة من قرائن الأحوال كأسباب النزول وسياق الآية والقصّة أو الحكم ، أو رعاية الأعمّ والأغلب من المخاطبين وأوائلهم ، ونحو ذلك ، فهذا لا ينافي
هامش
( 1 ) . الشورى ( 42 ) الآية 11 .
( 2 ) . الأنعام ( 6 ) الآية 38 .
( 3 ) . الأنعام ( 6 ) الآية 59 .
( 4 ) . كذا في الأصل . والظاهر زيادة « كون » .