ولم يتجاوز بها حدّها ، ولم يمزج بين الصفات ، ولم يخلط بين المراتب وأحكامها ، وأقام العدل في نفسه وخاصّة « 1 » رعاياه ، وتحقّق بالاسمين : « الحكم » « العدل » وغيرهما ، وصار صحيح الكشف ، صحيح المزاج الروحاني ، كنبيّنا صلّى اللّه عليه وآله والكمّل قبله وبعده من ورثته .
فما كان كمال كشفه « 2 » إدراكه في مرتبة المثل ، كشفه ممثّلا ، وما كان كمال كشفه أن يدرك في الحسّ ، أدركه في الحسّ ، وما كان كمال كشفه أن يدرك في عالم المعاني المجرّدة والحضرات الروحانيّة ، أدركه في مرتبته حيث كان على ما هو عليه .
أخبرني شيخي وإمامي الإمام الأكمل رضي اللّه عنه : أنّه منذ تحقّق بهذا الأمر ما استعمل قوّة من قواه إلّا فيما خلقت له ، وأنّ قواه شكرته عند الحقّ ؛ لإقامة العدل فيها وتصريفه إيّاها فيما خلقت له ، وهذا من أعلى صفات مرتبة الكمال عند من عرف ما الكمال ، فكن يا أخي ممّن عرف - إن شاء اللّه -
تخبط المحجوبين
ثم نقول : وفي مقابلة صاحب هذا الذوق المحجوبون عن عالم الكشف ، وهم الذين بعدت نسبة أمزجتهم الروحانيّة عن الاعتدال المذكور ، بطمس قواهم النفسانيّة ، واستيلاء حكم بعض الصفات الطبيعيّة « 3 » بقهرها لباقي الصفات ، وانصباغ ما عدا الغالب بحكم تلك الصفة الغالبة انصباغا أوجب اضمحلال خاصّيّته واستهلاكه ، كما أشرنا إلى ذلك في التجلّي الذاتي بالنسبة إلى المتجلّى له التامّ التوجّه والاستعداد .
فالمزاج الروحاني - الذي للجاهل الفدم ، « 4 » الغليظ ، الأحمق ، الجافي ، البعيد الفطنة جدّا - في مقابلة المزاج الروحاني المختصّ بصاحب الكمال المذكور ، الذي يبصر بالحقّ ويسمع به ، ويبصر أيضا به الحقّ ويسمع به ، كما ورد في الحديث الثابت .
ونظير هذا الذي ذكرناه - من الصور المركبة بالنسبة إلى الاعتدال الطبيعي في الأمزجة - مزاج المعدن بالنسبة إلى مزاج الإنسان ، الذي هو أقرب الأمزجة نسبة إلى الاعتدال التامّ .
هامش
( 1 ) . ه : خاصّته .
( 2 ) . ق : عرفت .
( 3 ) . ق : الطبعية .
( 4 ) . الفدم : العييّ عن الكلام ، الأحمق ، الغليظ الدم . وفي ب : القدم .