الذوق الصحيح التامّ أفاد أنّ مشاهدة الحقّ تقتضي الفناء الذي لا يبقى معه للمشاهد فضلة يضبط بها ما أدرك .
وفي التحقيق الأتمّ أنّه متى شهد أحد الحقّ فإنّما يشهد بما فيه من الحقّ ، وما فيه من الحقّ عبارة عن تجلّيه الغيبي الذي قبله المتجلّى له بأحديّة عينه الثابتة المتعيّنة في العلم ، التي يمتاز بها عن غيره من الوجه الخاصّ دون واسطة ، فاستعدّ به لقبول ما يبدو له من التجلّيات الظاهرة فيما بعد « 1 » بواسطة المظاهر الصفاتيّة والأسمائيّة .
وبهذا حصل الجمع بين قولهم : « ما يعرف اللّه إلّا اللّه » وقولنا « لا يمكن إدراك شيء بما ينافيه » وبين دعوى العارف أنّه قد عرف اللّه معرفة ذوق وشهود . و « 2 » من عرف سرّ قرب الفرائض والنوافل وما بيّنّا في ذلك ، تنبّه لما أومأنا إليه .
وعلى كلّ حال ، فنحن مقيّدون من حيث استعدادنا ومراتبنا « 3 » وأحوالنا وغير ذلك ، فلا نقبل إلّا مقيّدا مثلنا وبحسبنا كما مرّ ، والتجليات الواردة علينا - ذاتيّة كانت أو أسمائيّة وصفاتيّة - فلا تخلو عن أحكام القيود المذكورة ، ومن التقط ما قدّمنا من التنبيهات ، وجمع النكت المبثوثة مستحضرا لها ، استغنى عن مزيد البيان والتقرير ، فإنّه قد سبق ذكر ما يستنتج منه مثل هذا وغيره من الأسرار الجليلة .
ثم نقول : وأمّا التقرير « 4 » العقلي فهو أن يقال : المراد من وضع الاسم الإشارة بذكره إلى المسمّى ، فلو كان للّه بحسب ذاته اسم ، لكان المراد من ذلك الاسم ذكره مع غيره لتعريف ذلك المسمّى ، فإذا ثبت بالاتّفاق أنّ أحدا لا يعرف ذات الحقّ البتّة ، لم يبق في وضع الاسم لتلك الحقيقة فائدة فثبت أنّ هذا النوع من الاسم مفقود .
وأيضا فالاسم الموضوع إنّما يحتاج إليه في الشيء الذي يدرك بالحسّ ويتصوّر في الوهم وينضبط في العقل ، حتى يمتاز بذلك الاسم الموضوع إلى ذاته المخصوصة ، والحقّ سبحانه يمتنع إدراكه بالحواسّ ، « 5 » وكذا تصوّره في الأوهام ، وانضباطه بمدارك العقول ،
هامش
( 1 ) . ب : دون .
( 2 ) . ق : لم يرد .
( 3 ) . ق : مرتبتنا .
( 4 ) . هذا قسيم التقرير الذوقي الذي مرّ في ص 150 .
( 5 ) . ق : الحواسّ .